من تاريخ ماهر حميد النضالي

02 اغسطس 2020
الصورة

أرسل إلي الصديق المهندس ماهر حميد مخطوط كتابه "كفاحي في ظل الثورة"، بقصد أن أطَّلع عليه، وأكتب له مقدّمة. لفتت نظري هذه الصفحة، فاستأذنته بنشرها ليطلع عليها قراء "العربي الجديد"، فوافق مشكوراً: 

"في المناسبات الوطنية والقومية تعم الأفراح، وتكثر مظاهر البهجة. يأتي في مقدمة هذه المناسبات ذكرى الحركة التصحيحية المجيدة التي فجّرها القائد الكبير حافظ الأسد.. ففجأة، ودون سابق إنذار، امتلأت باحةُ مدرستنا بمواطنين شرفاء جاؤوا من كل حدب وصوب للاحتفال بالتصحيح والتغني بإنجازات القائد. الفلاح النشيط ترك حقله وجاء إلى مدرستنا ليتشارك بالأفراح مع العامل النشيط.. ولم يتأخر المهندسون والأطباء والصيادلة وعمال مخابر التحليل الطبية، فحضروا زرافات برفقة أصحاب الدكاكين والسوبرماركيتات. مصلح البسكليتات أبو إسماعيل ترك قطعَ البسكليتات الخربة مطروشة على الأرض أمام دكانه وجاء راسماً على وجهه أقصى آيات الحبور، وجاء العم أبو حسين يمشي بصعوبة ويلهث بسبب الربو، ووقف متكئاً على عصاه بجوار علي الفرواتي، وقال بينما عيناه تغرغران بدموع الفرح: محتفلين بالقائد؟ الله يقويكم، أنتم جيل ينشد به الظَهر. 

حمدو، صاحب دكان الكرميلا والدروبس الذي لم يقفل دكانه قط، أقفله وجاء إلى مدرستنا، ومعه بائع الباذنجان النشيط الذي ترك باذنجانه وقال لنفسه (خلينا نحتفل بالقائد وعمره ما حدا أكل مكدوس). أمام هذا الحشد الرائع، المعبر عن كل جماهير الوطن الكادحة، لم يكن هناك بد من إلقاء كلمة حماسية تزيد من لهيب مشاعر الجماهير الملتهبة أصلاً. لم يكن مدير المدرسة مؤهلاً لإلقاء الخطابات، فقد تشكلت لديه عقدة نفسية من يوم أن ارتجل كلمة في احتفالات الرابطة الفلاحية، وكان ينوي أن يمدح القائد حافظ الأسد ويذمّ الرئيس العراقي صدّام حسين، فزلّ لسانه، وفعل العكس، ووقتها لم يكن عدد الحضور كبيراً، ولله الحمد، فاستحلفهم بألا يحكوا ما جرى أمام أحد، ولا حتى أمام نسائهم. ولكن أحدهم حكى، ووصلت السالفة إلى فرع أمن الدولة، فاستدعوه، وذهب إليهم واضعاً في عبه مئة ألف ليرة سورية، ناولها لرئيس الفرع، فمزّق رئيس الفرع التقرير، واعتبره كيدياً، وكتب مذكرةً لقيادته أشاد فيها بإخلاص هذا المدير لقائد المسيرة، وتاريخه المشرّف في تنشئة الأجيال المناضلة. لم يكن هناك بد من تكليف الرفيق دياب الأحمدوني أمين الحلقة، فهو الوحيد المؤهل لمثل هذا العمل الجليل، لأنه حائز على ثقة القيادة الحكيمة من خلال نشاطه الاستثنائي، فهو لا يترك شاردة أو واردةً إلا ويخبر عنها القيادة، إضافة إلى أنه يحفظ عباراتٍ كثيرة من منهاج التثقيف الحزبي، وهذا دليل قاطع على ارتفاع منسوب وعيه النضالي، في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا العربية. هدّد الرفيق دياب أميركا وإسرائيل وعملاءهما في المنطقة، وبشّر صدّام حسين الذي يمثل اليمين البعثي العفن بعاقبة وخيمة، لوقوفه ضد القائد البعثي اليساري حافظ الأسد (قالها وألقى نظرة ذات مغزى على مدير المدرسة).. وهكذا دواليك، حتى اقترب من نهاية الخطابة، فقال إننا (يقصد هو والقيادة) سنضرب البرجواوية والإمبرواوية بيد من حديد. عند هذا القول، طاش صوابنا، نحن التلاميذ، وكَيَّفنا على هذا النصر الكبير المتحقق من دون علم منا، فرحنا نصفق ونهتف ونعيش، وأعيننا متركزة على مدرب الفتوة الذي يعطينا الإيعازات، عادةً، فنهيص ونتوقف بحسب ما يشير لنا بيديه.

أجل، كان احتفالاً رائعاً، يليق بثورتنا وتصحيحنا وقائدنا، لم ينغّص فرحتنا يومئذ سوى أمر صغير، لم يكن للمحتفلين أو لمنظمي الاحتفال يدٌ فيه، فقد غلب الفرح العم أبا حسين، فجاءته كريزة ربو، جعلته يسقط في أثناء إلقاء الرفيق دياب كلمته، وهنا أبدى دياب براعة استثنائية، فختم كلمته بالقول وهو يشير إلى أبي حسين:

أو كما قال القائد الكبير حافظ الأسد: لا بد من التضحيات".