مناورة النظام السوري في درعا: الضوء الإسرائيلي الأخضر يقترب

17 يونيو 2018
تواصل المعارضة الاستعداد لأي عملية للنظام في الجنوب(فرانس برس)
+ الخط -
يواصل النظام السوري ضغوطه الرامية إلى انتزاع ما يمكن انتزاعه مما تبقّى من مساحات بيد المعارضة السورية في الجنوب والشمال، ويخوض مناورات عسكرية وسياسية مدعوماً من روسيا، من أجل التمدّد في هاتين المنطقتين، إضافة إلى شرقي البلاد في المناطق التي تقع تحت سيطرة المليشيات الكردية. وفي إطار تصعيده المضبوط في الجنوب السوري، على الرغم من التحذيرات الأميركية المتكررة له من عواقب أي عملية عسكرية في تلك المنطقة، فقد أرسل النظام أخيراً وزير دفاعه علي عبد الله أيوب إلى المنطقة الجنوبية، لتفقّد القوات العاملة فيها، بالتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي على مدينة الحارة والمناطق المحيطة بها، ما أدّى إلى مقتل خمسة مدنيين، وإصابة أكثر من عشرة آخرين.

وقصفت قوات النظام المدينة بأكثر من عشرين قذيفة صاروخية شديدة الانفجار صبيحة أول أيّام العيد، الجمعة، فيما توعّد قائد فصيل "لواء شهداء الحارة"، التابع لـ"الجيش السوري الحر"، بالرد على مليشيا "حزب الله" والمليشيات الإيرانية المتمركزة في بلدة دير العدس وتلال فاطمة وتل قرين. وجاء القصف بالتزامن مع حشد النظام لقواته في بلدة دير العدس المجاورة، وسط تحذيرات من نية النظام اقتحام محافظتي درعا والقنيطرة.

وكانت مصادر مختلفة قد ذكرت أنّ مفاوضات غير معلنة تجري هذه الأيام في الأردن بين أميركا وروسيا والأردن، بوجود ممثّل عن بريطانيا، من أجل تجنّب التصعيد في منطقة "خفض التصعيد" في الجنوب، إلا أنّها لم تثمر عن نتائج حتى الآن. وتشير التهديدات الأميركية للنظام بشأن الجنوب إلى فشل هذه المفاوضات، خصوصاً بعد ربط كل من النظام وإيران ملف الجنوب بقاعدة "التنف" الأميركية. كذلك، أشارت المصادر إلى أنّ إسرائيل ليست بعيدة عن أجواء هذه المفاوضات، إذ يتمّ التنسيق معها من قبل الجانبين الروسي والأميركي، في وقت يعطي ما صرح به وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، الجمعة، بأنه لا توجد قوات إيرانية أو قوات تابعة لحزب الله في جنوب سورية، انطباعاً بأن إسرائيل رفعت "الفيتو" عن عملية عسكرية للنظام في الجنوب.

ونقل المركز الصحافي لوزارة الأمن الإسرائيلية عن ليبرمان قوله إنه "في جنوب سورية من الممكن أنه يوجد عدة عشرات ممن يسمونهم بالمستشارين، لكن لا يوجد هناك أي عسكريين". لكنه أضاف أنّ "المطلب الإسرائيلي في المسألة السورية واضح تماماً، وهو إبعاد حزب الله وإيران بالكامل عن الأراضي السورية"، مشيراً إلى أنّ منظومة الدفاع الجوي السورية "لا تثير أي قلق في إسرائيل". وتابع: "نعرف كيف يمكن التغلّب عليها، ونأمل بأن لا نضطر إلى ضرب هذه المنظومات".


وكان بيان للكرملين قد قال إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفق الجمعة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على تعزيز التنسيق حول الشأن السوري. وقال البيان إن "الجانبين ناقشا الجهود المشتركة لضمان الأمن في المنطقة الحدودية بين سورية وإسرائيل (الأراضي المحتلة)، عبر مكالمة هاتفية". كذلك ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن موسكو طلبت من إسرائيل وأطراف أخرى في الصراع وقف القتال خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها روسيا.

وفي الإطار ذاته، بدأ قائد الشرطة العسكرية الروسية، الجنرال فلاديمير إيفانوفسكي، مساء الجمعة، زيارة لم يعلن عن مدتها إلى الأراضي المحتلة لبحث التطورات في سورية. وقالت هيئة البث الإسرائيلية، بحسب ما نقلت وكالة "الأناضول"، إن "إيفانوفسكي، المسؤول عن قوات بلاده المرابطة في مناطق خفض التصعيد في جنوب سورية، يزور إسرائيل لإجراء محادثات مع ضباط كبار من الجيش الإسرائيلي"، مضيفةً أنّ محادثات الجانبين "تتناول إبعاد القوات الإيرانية عن هضبة الجولان".

من جهتها، تواصل فصائل المعارضة الاستعداد لأي عملية عسكرية قد يقدم عليها النظام في الجنوب، سواء عبر اجتياح شامل، وهذا مستبعد برأي العديد من المراقبين، أو عبر عمليات محدودة تستهدف تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية محددة، سواء في شمال درعا في ما يسمى منطقة "مثلث الموت" حيث التقاء محافظات ريف دمشق مع درعا والقنيطرة، وهي منطقة تمركز لحزب الله والمليشيات الإيرانية، أو في شرقي المحافظة، وتحديداً في منطقة اللجاة التي يسيطر على معظمها "الجيش السوري الحر". وقد يسعى النظام إلى فصل هذه المنطقة عن بقية المحافظة بحجة محاربة تنظيم "داعش" هناك، إذ تدور معارك بين الجانبين شرقي محافظة السويداء، قد يستغلها النظام للتمدّد على حساب "داعش" والمعارضة معاً.

وكان النظام قد أرسل الجمعة تعزيزات عسكرية إلى خطوط التماس مع تنظيم "داعش" شرقي محافظة السويداء، تضمنت دبابات وراجمات صواريخ وسيارات مزودة برشاشات ثقيلة، وتوجهت إلى تل صعد الواقع على خطوط التماس مع التنظيم.

وتوقّع محمد ماجد الخطيب، قائد ألوية الفرقان التابعة للمعارضة السورية، أن يبدأ النظام السوري اقتحام درعا خلال وقت قريب. وقال في تدوينة له على تطبيق "تلغرام" إن "الاجتماع الأميركي - الأردني – الروسي، نتج عنه خلاف كبير في ما يخصّ الجنوب"، مضيفاً "ستبدأ محاولات النظام في الاقتحام خلال الساعات القليلة المقبلة، أما وإن الحرب قد قرعت طبولها، فرددوا اللهم بك نصول وبك نجول وبك نقاتل واستعينوا بالله واتكلوا عليه واعتمدوا على ما بين أيديكم من السلاح والعتاد"، على حد تعبيره.

ولا تقتصر تطلعات نظام بشار الأسد على التمدّد في منطقة الجنوب السوري، بل تشمل أيضاً شمال البلاد، وتحديداً محافظة إدلب التي تتعرّض لقصف شبه يومي من جانب النظام وروسا، وسط مساعٍ من قبل النظام للفوز ببعض المكتسبات، على الأقل في هذه المرحلة، طالما أنّ التفاهمات الروسية - التركية ما زالت قائمة، ولا تتيح للنظام حرية التصرف. وتسعى تركيا إلى تجنيب المحافظة التي تضم نحو ثلاثة ملايين شخص من أبنائها ومن النازحين إليها، أي عمليات عسكرية قد ينتج عنها نزوح واسع باتجاه الأراضي التركية.

وفي هذا الإطار، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن أنقرة تناقش مع موسكو وطهران تفادي موجة نزوح للسكان من محافظة إدلب. ونقلت قناة "تي آر تي" التركية عن أردوغان قوله: "الوقت سيظهر هل ستكون هناك موجة نزوح أم لا. ولتفاديها نجري مباحثات مع روسيا وإيران. وفي هذا الشأن تتسم تل رفعت بأهمية كبيرة، ومن المهم بالنسبة إلينا حلّ هذه المسألة بأقل الخسائر".

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت مراراً من نشوب أزمة إنسانية خطيرة ونزوح أعداد كبيرة من السكان في حال شنت قوات النظام عملية عسكرية واسعة النطاق في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة. وتقول مصادر في المعارضة السورية إن النظام، مدعوماً بروسيا، يحاول عبر مناوراته السياسية، وتهديده بشن عملية عسكرية واسعة بالتزامن مع تواصل القصف، الحصول على الأقل على بعض المكتسبات المرحلية في محافظة إدلب، مثل انسحاب المعارضة من مدينة جسر الشغور التي خسرها في الشهر الرابع عام 2015. وتعتبر جسر الشغور امتداداً طبيعياً وبشرياً لريف اللاذقية، وأحد أهم المداخل إلى الساحل من الجهة الشرقية، ومنها تستهدف المعارضة ريف اللاذقية وبلدة "جورين" التي تضم أكبر معسكرات النظام في سهل الغاب الغربي.