ممّ يخاف الأردنيون؟

26 يونيو 2020
الصورة
من الضروري أن يتجاوز المحللون، والأهمّ صنّاع القرار، الأرقام الصمّاء في الاستطلاع الذي أصدره أخيرا مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، إلى قراءة الدلالات السياسية والمجتمعية لما تستبطنه تلك الأرقام. 
أول ما يلفت الانتباه أنّ رصيد الحكومة ورئيسها والفريق الوزاري مقارنةً بحكومات أخرى، بعد عامين على تشكيل الحكومة، يبدو كبيراً، مقارنةً باستطلاع مرور عام ونصف العام على الحكومة نفسها، ما يُفسَّر بالضرورة بتقدير الناس الجهود الحكومية في تجنيب الأردن ويلاتٍ صحيةً مع فيروس كورونا، مقارنةً بدول الجوار عموماً، وبدول غربية. في المقابل، فإنّ مقارنة شعبية الحكومة نفسها، وفق الاستطلاع، بنتائج الاستطلاع الذي أجراه المركز خلال أزمة كورونا، قبل شهر من الاستطلاع الحالي، نجد أنّ الشعبية انخفضت بصورةٍ ملموسة، ما يعني أنّ التداعيات الاقتصادية للفيروس بدأت تتفاعل في الرأي العام، وتعيد إنتاج الموقف من الحكومة، وتستعيد الفجوة التقليدية التاريخية (في الثقة بالحكومات) التي للوهلة الأولى تبدو قد تلاشت في الاستطلاع المعلن قبل أيام.
إذا تجاوزنا هذه الأرقام إلى ما هو مقلق ولافت جداً في الاستطلاع، فإنّ النتيجة المدهشة أنّ الأغلبية العظمى من المواطنين يرون في التداعيات الاجتماعية للأوضاع الاقتصادية التهديد الأكبر للأمن الوطني الأردني، وهو مؤشّر على مدى السوء الذي وصلت إليه الأمور الاقتصادية والمالية، بخاصة مع نتائج جائحة كورونا.
يرى 84% من الأردنيين أنّ كورونا تمثّل تهديداً لمستقبل الاقتصاد الوطني، والغالبية ترى أنّ الاقتصاد يسير في الاتجاه الخاطئ، والأهم أنّ 50% ممن يعملون في القطاع الخاص خسروا وظائفهم، وفق الاستطلاع، نتيجة الفيروس، و50% يشعرون بأنّهم مهدّدون بفقدان وظائفهم، ما يؤشّر إلى هيمنة حالةٍ من الإحباط والتشاؤم وعدم اليقين على الرأي العام تجاه المستقبل.
كيف نترجم ذلك سياسياً؟ على الرغم من التقدير الكبير العالي والعلامة شبه الكاملة التي أخذتها الحكومة لإدارتها الصحية لمواجهة جائحة كورونا، فإنّ الوضع الاقتصادي لا يبشّر بالخير في المرحلة المقبلة، ويجذّر القلق والهواجس المجتمعية، ويمثّل تهديداً للسلم الاجتماعي والأمن الوطني.
الفقر والبطالة مفتاحان خطيران في فهم ديناميكيات الوضع الداخلي في المرحلة المقبلة، وقد كانت البطالة قضيةً مؤرّقة خلال العامين الفائتين، مع مسيرات المتعطلين عن العمل، فكيف اليوم ما بعد كورونا، وأغلب الخبراء يتوقعون قفزة كبيرة في هذا الرقم.
هل ثمّة خطط حكومية أو "دولانية" (من مؤسسات الدولة عموماً)؟ بالتأكيد، لكن كم من الممكن فعلاً أن تكون فعّالة، وقد اختبر الناس مشروعاتٍ سابقة، مثل خدمة وطن وغيرها، لم تكن ذات تأثير فعّال حقيقي. هل ستراهن الحكومة على تفهّم الناس أبعاد الأزمة الاقتصادية العالمية، والمحلية؟ الجواب: لا، بكل تأكيد، لأنّ هنالك فجوة ثقة مستدامة في العلاقة بين الحكومات المتعاقبة والشارع، وفجوة طبقية متنامية، تأخذ أبعاداً سياسية ومجتمعية، وجفافاً شديداً في المعادلة السياسية الداخلية، إلى درجةٍ تغيب فيها تماماً النخب والقوى السياسية التي تحمل مع "الحكومة" أو "الدولة" عبء المرحلة، وتعبر إحدى أخطر المراحل التي يمرّ بها الأردن في تاريخه المعاصر.
لماذا؟ لأنّ هنالك نظرية سائدة في أروقة القرار تصرّ على الفصل بين الملفين الاقتصادي والسياسي، على قاعدة أن "توسيع الكعكة الاقتصادية" كفيل بحل المشكلات المجتمعية، وعلى الإصرار أنّ الهمّ الأكبر للمواطنين هو الاقتصادي، وليس السياسي. قد تبدو هذه النظرية صحيحة فقط جزئياً، لكن ما تتغافل عنه أن الأزمة الاقتصادية عميقة، وأنّ أبعادها وتداعياتها ستأخذ الطابع السياسي والمجتمعي، وأنّ مثل هذه المرحلة الخطيرة تقتضي توافقاً وطنياً وشراكة وإشراكاً للجميع، وانفتاحاً سياسياً ومساحاتٍ من الحريات العامة تتيح تنفيس الشارع وتهدئته، في ظل شعور غالبية الأردنيين بتهديد مباشر كبير، للمرة الأولى منذ عقود، على "أمنهم اليومي"، في جانبه الاقتصادي، وفي ظل أزمة ثقةٍ كبيرة بين المؤسسات والشارع.
أطالت أزمة كورونا العمر السياسي للحكومة ورئيسها، بلا شك، ورفعت تقييم الرئيس والفريق الوزاري، لكن ذلك مؤقت، طالما أنّ شروط الغضب والإحباط قائمة، وتزداد، والاستمرار في الرهان على الحلول الاقتصادية بعيداً عن محاولة إيجاد فضاء سياسي توافقي وطني رهان مجرّب وفاشل، وليس أدلّ على ذلك من الظروف التي قذفت الرئيس الحالي إلى قلب الدوّار الرابع، بعد انتفاضة شعبية كبيرة غير مسبوقةٍ قبل عامين.