ملامح عصر جديد

11 مارس 2020
الصورة
أزمة مصارف لبنان تستفحل (حسن بيضون/ العربي الجديد)
أعلنت الحكومة اللبنانية يوم السبت "تعليق سداد" مدفوعات مرتبطة بسندات يوروبوند تستحق هذا الأسبوع، وتقدر بمبلغ 1.2 مليار دولار، وقالت إنها تنوي الدخول في مفاوضات مع الدائنين من أجل إعادة جدولة كامل مديونيتها، فيما اعتبره المراقبون أول إفلاس تتعرض له الدولة في تاريخها. 

وقال رئيس الوزراء حسان دياب إن "احتياطيات النقد الأجنبي وصلت إلى مستوى حرج"، وإن البلاد لن تحصل على كامل حريتها طالما ظلت غارقة في المديونية.

وفي مستهل تعاملات أسواق المال هذا الأسبوع، انخفضت أسعار برميل النفط بنسبة تتجاوز 30% مقارنة بأسعار إغلاق الأسبوع الماضي، بعد فشل الاتفاق بين السعودية (أوبك) وروسيا على تخفيض الإنتاج من أجل منع انخفاض السعر.

وقبل أن تبدأ أسواق الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا تعاملاتها، سجلت بورصات دول الشرق الأقصى سعر 35 دولاراً لبرميل النفط من خام برنت المعياري، رغم وصوله إلى ستين دولاراً قبل أقل من عشرين يوماً.

وكان انخفاض السعر يوم الاثنين هو الأكبر لبرميل النفط منذ عام 1991، وقت حرب الخليج، إلا أن بنك الاستثمار العملاق جولدمان ساكس قال إن أسعار النفط يمكن أن تخسر أكثر من 40% إضافية، حال استمرار عدم الاتفاق بين الدول العظمى في سوق السلعة الأهم في العالم.

وارتفعت يوم الاثنين تكلفة التأمين على الديون السعودية بنسبة تقترب من 70%، كما قفزت نقاط الأجل لمدة عام، التي تحدد سعر العملة السعودية مقابل الدولار للتنفيذ بعد عام، من 10 نقاط عند إغلاق تعاملات الأسبوع الماضي إلى 85 نقطة في الدقائق الأولى من تعاملات الأسبوع الجديد، الأمر الذي يعكس انخفاض ثقة المتعاملين بالعملة والاقتصاد السعوديين. وكانت هناك ارتفاعات مقاربة في تكلفة التأمين على الديون في كل من الإمارات وعمان والبحرين. 
وفي الهند، خامس أكبر اقتصاد في العالم، والثالث باستخدام مفهوم تعادل القوى الشرائية Purchasing Power Parity، تدخلت الدولة الأسبوع الماضي لإنقاذ بنك ياس YES من الإفلاس.

واستحوذ البنك المركزي الهندي على المصرف المأزوم بعد سلسلة من الفضائح التي ضربت القطاع المصرفي في البلاد خلال الأعوام الأخيرة، والتي شملت عملية نصب للاستيلاء على ما يقرب من اثنين مليار دولار من أحد البنوك الكبرى المملوكة للدولة، كما العديد من حالات سوء الإدارة في بنوك أصغر حجماً، منتشرة في ربوع البلاد.

ومع بداية الأسبوع أيضاً، علقت العديد من شركات الطيران الكبرى، ومنها إير فرانس وأميركان إيرلاينز والبريطانية ودلتا الأميركية والنمساوية والإسبانية والهولندية والسعودية والقطرية وغيرها، رحلاتها إلى الصين لعدة أسابيع، وهو ما اعتبر علامة جديدة على تأخير عودة النشاط إلى الاقتصاد الصيني، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، رغم استئناف العمل في بعض المناطق هناك.

وفي بداية تعاملات الأسبوع، تراجعت أسعار الأسهم الأوروبية ودخلت نطاق الانخفاض، بعد أن تجاوزت خسائرها نسبة 20% من أعلى مستويات تم تسجيلها قبل ثلاثة أسابيع. ويوم الاثنين، خسر مؤشر ستوكس 600 للأسهم الأوروبية 7.44% من قيمته، مسجلاً أعلى خسارة له منذ يونيو/ حزيران 2016، حين صوتت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وقبلها، خسرت أهم مؤشرات الأسهم في طوكيو وسيدني وسول وهونغ كونغ وكل أسواق الشرق الأوسط خسائر فادحة، تراوحت بين 4% و9%، لتعمق خسائر الفترة الماضية، ولتضع أغلب الشركات في تلك الأسواق في ظروف سيئة، تضغط على أرباحها، وتزيد من تكلفة الاقتراض فيها من الأسواق العالمية، وليقترب شبح الإفلاس من العديد منها. 

وفي أول تعاملات الأسبوع أيضاً في الولايات المتحدة خسر مؤشر داو جونز الصناعي 7.79% من قيمته، تمثل أكثر من ألفي نقطة، في أسوأ أيام أشهر مؤشرات الأسهم الأميركية منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. وعلى نفس الخطى، خسر مؤشر ناسداك 7.29% من قيمته، وخسر مؤشر اس اند بي 500 7.6% من قيمته، بينما كانت خسارة المؤشر نفسه لقطاع الطاقة أكثر من 20% خلال تعاملات يوم الاثنين وحده.

وفي نفس اليوم، وفيما اعتبر دليلاً على رغبة المستثمرين في الهروب من سوق الأسهم إلى الملاذات الآمنة، ممثلة في سندات الخزانة الأميركية، انخفضت معدلات العائد على تلك السندات إلى أقل مستوياتها التاريخية، وسجل العائد على سندات الثلاثين عاماً 0.99% لأول مرة في تاريخه، ولتكون عوائد كل سندات الخزينة الأميركية للمرة الأولى أقل من 1%.

وارتفع مؤشر يقيس المخاطر المتوقعة لائتمان الشركات، ويطلق عليه اسم "مقياس الخوف"، بأكبر نسبة منذ انهيار بنك ليمان براذرز، العلامة الأشهر لانفجار الأزمة المالية العالمية في 2008، صباح الاثنين، مع استمرار توارد أخبار انتشار فيروس كورونا الجديد، كما الانهيار في أسعار النفط، وما سببه من انهيارات في أغلب أسواق المال حول العالم!

وأعلنت السعودية مساء الأحد تعليق سفر المواطنين والمقيمين من وإلى عدد من الدول، فيما قالت إنه محاولة للحد من انتشار فيروس كورونا. وقررت المملكة أن هذه الدول هي مصر والإمارات ولبنان والكويت والعراق والبحرين وسوريا وإيطاليا وكوريا الجنوبية، قبل أن تضم سلطنة عمان وألمانيا وفرنسا وتركيا وإسبانيا إلى القائمة. كذلك قرّرت المملكة تعليق دخول القادمين من تلك الدول، أو دخول من كان موجوداً فيها خلال الأيام الـ14 السابقة لقدومه. 

ويشمل قرار المملكة إيقاف الرحلات الجوية والبحرية بينها وبين والدول المذكورة.
هذه ليست دعوة للتشاؤم، أو محاولة لتوقع الدخول في أزمة كبرى، لكنها رصد لبعض الأحداث الاقتصادية في أقل من اثنتين وسبعين ساعة، والتي تؤكد بدورها، وبما لا يدع مجالاً للشك، أننا دخلنا بالفعل في واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية المالية الصحية الاجتماعية الإنسانية العالمية، التي سيصل تأثيرها، وإن بدرجات متفاوتة، إلى كل مواطن في كل دولة على خريطة العالم، وستكون من النوعية التي يتم التأريخ بها عند التحدث عنها في مراحل لاحقة، إن بقي حديثٌ بعدها!