ملاعب الجزائر.. منشطات قاتلة تقضي على مستقبل اللاعبين

27 يناير 2016
الصورة
مدرّات البول تستخدم لإخفاء آثار المنشطات (فرانس برس)
لم يكن يوسف بلايلي، صانع ألعاب فريق اتحاد الجزائر (الحاصل على 6 بطولات وطنية و8 كؤوس للجمهورية)، وأفضل لاعب محلي لكرة القدم في العام 2014، يعلم أن مسيرته الكروية ستتوقف بشكل نهائي وهو في الثالثة والعشرين من عمره، بعد أن تمت إدانته من قبل الاتحاد الأفريقي بتعاطي مادة "الكوكايين" المخدرة خلال مباراة فريقه أمام مولودية العلمة الجزائري، ضمن رابطة أبطال أفريقيا في دوري المجموعات، في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وهو ما استدعى عقابه بالإيقاف 8 أعوام كاملة.

حالة بلايلي، ليست فريدة، إذ تكشف أحدث إحصائيات لجنة مكافحة المنشطات التابعة للاتحادية الجزائرية لكرة القدم (الفاف)، عن تسجيل 10 حالات إيجابية لتعاطي المنشطات والمخدرات ما بين يناير/ كانون الثاني 2013 حتى يناير 2016، في القسمين الأول والثاني بالدوري الجزائري للمحترفين. أحدث هؤلاء مهاجم مولودية الجزائر اللاعب خيرالدين مرزوقي، الذي أوقفه الاتحاد الجزائري لكرة القدم (الفاف)، مؤقتاً بسبب تعاطيه المنشطات، حتى مثوله أمام مجلس التأديب، الأسبوع المقبل.

بحسب الإحصائيات التي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، فقد تم ضبط 3 حالات تخص مادة "الكوكايين" و3 حالات أخرى للقنب، وحالتين في مواد منشطة محظورة، فيما تم رصد حالة وحيدة خاصة بهرمون منشط يسمى دورابولان، فيما تم تسجيل 11 حالة مشتبه بها خلال العام 2015 بسبب تناول مواد مدرجة في اللائحة المحظورة من طرف المنظمة العالمية لمكافحة المنشطات.

اقرأ أيضا: "زواج المصلحة"يجمع شبكات التهريب و"الإرهاب" في المغرب العربي

الملاهي الليلية

من أين يحصل اللاعبون على المنشطات والمخدرات في الجزائر؟ للإجابة على السؤال السابق، توجّه معدّ التحقيق إلى أحد الملاهي بمنطقة بن عكنون، غربي العاصمة الجزائر، تم اختيار الملهى بعد تحريات وسط مقربين من لاعبين في دوري المحترفين الجزائري. ووثّق معد التحقيق المعلومات التي حصل عليها عن كون الملهى يستقبل العديد من اللاعبين، فيما يحصل الراغبون منهم على المنشطات والمخدرات.

يقول "أمين"، وهو صديق مقرّب من لاعبي نادٍ جزائري: "هذا الملهى الليلي يشهد إقبالا من العديد من اللاعبين قبل المباريات، وخاصة مع نهاية الأسبوع، بغية القضاء على الإرهاق والتعب، والحصول على المنشطات والمخدرات التي يعتقد هؤلاء أنها تحسّن أداءهم داخل المستطيل الأخضر".

داخل الملهى، يمكن ملاحظة وجود أقراص "الاكستازي" المنشطة، ومادة الكوكايين المخدرة مع عدد من رواد الملهى. ويتحدث سعيد محمد (اسم مستعار)، أحد العاملين في الملهى، عن كون هذه المواد شائعة بين اللاعبين، وتحديداً بين من ينشطون في الأقسام السفلى في الدوري الجزائري، مستغلين غياب رقابة لجنة مكافحة المنشطات التي ينحصر عملها في الاهتمام بمباريات القسمين المحترفين.

تشير تقارير لخلية الاتصال التابعة للمديرية العامة للأمن الجزائري إلى أنه تم حجز أكثر من 10 آلاف قرص "اكستازي" من نوع "دومينو" ومن النوع "بي" العام الماضي، خلال عمليات تفتيش دورية قامت بها الشرطة على مستوى الملاهي. وبحسب التقارير التي حصلت "العربي الجديد" على نسخ منها، فإن شبكات محترفة تعمل على تزويد اللاعبين، وكذا مرتادي الملاهي في مختلف أنحاء الجزائر، بالمنشطات.

وتوضح محاضر التحقيقات الأمنية، التي حصل معد التحقيق عليها، أن شبكات الإتجار بالمنشطات والمخدرات، تبيع "الاكستازي" للاعبين في ملاهي ولاية وهران، غربي الجزائر، بسعر 2000 دينار جزائري للقرص الواحد (الدولار يساوي 120 ديناراً جزائرياً، وفق السعر الرسمي)، في حين يفوق سعره 6000 دينار في بعض ملاهي العاصمة (50 دولاراً).



اقرأ أيضا: "غرداية" الجزائر... غياب الدولة يهدد 11 قرناً من التعايش

ضحية الكوكايين

تزامنت "فضيحة" بلايلي مع إيقاف لاعب فريق "أمل الأربعاء"، (من ضمن فرق دوري المحترفين الأول)، رفيق بوسعيد، بعد تعاطيه الكوكايين قبل مباراة فريقه أمام نادي سريع غليزان، (من ضمن فرق دوري المحترفين الأول)، في الموسم الماضي، لتتم معاقبته في سبتمبر/ أيلول الماضي، من طرف لجنة الانضباط التابعة للرابطة الجزائرية المحترفة بالإيقاف لمدة أربعة أعوام. يقول بوسعيد، لـ"العربي الجديد": "لم أتوقع السقوط في مثل هذا الخطأ الذي قضى نهائيا على مشواري الكروي. عقوبة الإيقاف 4 أعوام قاسية جدا".

مهربون دوليون

بحسب الديوان الجزائري لمكافحة المخدرات وإدمانها، فإن 84% من المنشطات والمخدرات التي تم حجزها خلال 2015 مصدرها التهريب، إذ يتم تهريبها عبر الحدود الجزائرية المغربية عبر شبكات دولية إجرامية منظمة تنشط على طول الحدود. وتشير وثيقة رسمية حصلت عليها "العربي الجديد"، لحصيلة نشاطات مكافحة التهريب خلال العام 2015، إلى حجز ما يقارب 10 أطنان من القنب الهندي و86 كلغ من الكوكايين و2 كلغ من الهيرويين و550 ألف قرص من مختلف المؤثرات العقلية.

وتم تسجيل أكثر 4159 قضية تهريب لمختلف أنواع المخدرات والمنشطات، فيما تم توقيف 7100 مهرب، من بينهم 5000 مهرب عبر الحدود الغربية و120 من جنسية أجنبية. وأوضحت مصادر بالمديرية العامة للجمارك الجزائرية بولاية تلمسان، (600 كلم غربي العاصمة الجزائر)، لـ"العربي الجديد"، أن عملية التهريب تتم برّا بواسطة الدواب والشاحنات والسيارات رباعية الدفع في حركة نشطة على الحدود.

اقرأ أيضا: سمك الجزائر ... سهلٌ يمنَعُه المُضارِبون

قائمة المحظورات

يكشف رئيس لجنة مكافحة المنشطات التابعة للاتحادية الجزائرية لكرة القدم، جمال الدين دمارجي، أن اللجنة الدولية المتخصصة بالأمر نفسه، أوضحت في آخر تقرير لها صدر الشهر الجاري، يناير/ كانون الثاني، عن قائمة المواد المحظورة على لاعبي كرة القدم. وضمت القائمة التي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، المواد البنائية (تستخدم في تقوية الجسد)، الهرمونات، المنبهات والمنشطات، المخدرات والقنبات، وكذا مواد الغلوكوكورتيكوستيرويدات، كما أن هناك وسائل محظورة هي تعزيز نقل الأوكسجين، المعالجة الكيميائية الفيزيائية والتنشيط الجيني لأجساد اللاعبين، والتستوستيرون والأندروستينيدون والغونداتروبين والإرثروبيوتين والكرياتين ومشروبات الطاقة. ويستخدم البعض مدرات البول لإخفاء آثار المنشطات الرياضية، ما يهدد صحة اللاعبين بشكل جدي.

وقال دمارجي، لـ"العربي الجديد"، إن القوانين الدولية تؤكد على ضرورة إبلاغ اللاعب للطبيب المعالج أنه قد يخضع في أي وقت للفحص، وأن عليه أن لا يستخدم مواد محظورة على الرياضيين. ومن المهم أن يعرف الطبيب أن عليه إعطاء اللاعب أدوية بديلة عن تلك المدرجة ضمن القائمة المحظورة، حتى لا يتسبب في إيقافه.

ويؤكد طبيب المنتخب الجزائري، علي يقدح، لـ"العربي الجديد"، أن إدمان اللاعب على مادة مثل "الكوكايين" يؤدي إلى الموت الفجائي في الملعب أو ما يُعرف بالسكتة القلبية، كما أن لها مضاعفات خطيرة على مستوى خلايا الدماغ التي تتلف مع الوقت، ما يصيب اللاعب بالجلطة الدماغية، مشيراً إلى أن بعض المواد المنشطة الخطيرة تؤدي إلى عقم اللاعب وتصيبه بالسرطان.

قصة "الفيتامين" الخطر

لم يكن قاسي السعيد، اللاعب السابق للمنتخب الجزائري خلال ثمانينات القرن الماضي، يعلم أن تناوله لـ"أقراص فيتامينية" سيؤثر على جيناته الوراثية مستقبلاً، بعد أن رزق ببنتين معاقتين جسديا توفيت إحداهما منذ سنوات. يقول قاسي السعيد، لـ"العربي الجديد"، إن طبيب "الخضر" في ذاك الوقت، الروسي "روغوف"، هو من يتحمّل مسؤولية ما جرى له، متهما إياه بتقديم مواد منشطة له في شكل فيتامينات.

تابع السعيد: "مساعد روغوف كان يحضر لنا أدوية على شكل أقراص ملونة مجهولة الاسم وطريقة الاستعمال ويجبرنا على شربها، بحجة أنها تساعدنا على استعادة لياقتنا البدنية بسرعة"، مضيفا "بعد إجرائي للتحاليل الطبية برفقة زوجتي، أكد لي الطبيب أن الشيء الذي يمكن تفسيره في هذه الحالة هو أنني تعاطيت المنشطات".

حالة قاسي السعيد ليست الوحيدة التي تأثرت بسموم روغوف، بل امتد ذلك إلى 6 لاعبين آخرين شاركوا في مونديالي 82 و86، وهم شعيب، كويسي، مناد، تلمساني، لارياس وبن ساولة، فمنهم من أنجب أولادا بإعاقات ذهنية وجسدية ومنهم من توفي ابنه المعاق.

اقرأ أيضا: الجزائر: عصابات تهريب الجنوب تحتمي بأنابيب النفط

العقوبات القانونية

يؤكد حميد حداج، رئيس لجنة الانضباط التابعة للرابطة المحترفة الجزائرية لكرة القدم، أنّ القوانين الرياضية المحلية تعاقب اللاعب المتعمّد في مسألة تعاطي المنشطات بالإيقاف أربع سنوات، في حين أن "التعاطي غير المقصود" عقوبته عامين، كما يمكن تخفيف العقوبة إن توفر لدى اللاعب دليل مهم يثبت أنه لم يقصد التحايل ولم يرتكب خطأ، كحالة أن يكون اللاعب في فترة علاج فيرخّص له الطبيب شرب بعض الأدوية التي تحوي مواد محظورة بعلم رئيس اللجنة الطبية للرابطة.

ويؤكد الخبير الرياضي الدولي عبد الكريم عبيدات، لـ"العربي الجديد"، أن الجزائر تطبّق حاليا قوانين الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات، مشيرا إلى أن العقوبات الدولية الخاصة بالاتحاد الأفريقي والفيفا تتضاعف في حال عدم حضور اللاعب جلسات الاستماع، وقد تصل في بعض الحالات إلى الإيقاف مدى الحياة عن ممارسة أي نشاط رياضي، وذلك حسب خطورة المادة، وهو ما كان اللاعب بوسعيد يجهله قبل أن يتعرض إلى عقوبة الإيقاف عامين، والتي تضاعفت لرفضه حضور جلسة الاستماع.

دلالات