ملاذات ضريبية .. وسياسية أيضاً

18 يوليو 2020
الصورة

قدّمت الهيئة العامة للاستثمار المصرية، في بيانات نشرتها نهاية العام الماضي، استعراضاً نادراً لإجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر خلال 30 عاماً، منذ أوائل 1970، بإجمالي يجاوز 60 مليار دولار.
وفيما لم تكن مفاجأةً أن تأتي الإمارات أولا، وتليها السعودية ثم بريطانيا ثم الكويت، فإن ظهوراً مفاجئاً بالمرتبة الخامسة هو من نصيب هولندا بإجمالي 621 شركة وتدفقات 3,3 مليارات دولار. والأغرب أن جزر الكايمان، تلك الدولة الصغيرة المجهولة للمصريين، قد حلت في المركز السادس، عبر تأسيس 103 شركات، ضخت تدفقات بقيمة 2,8 مليار دولار، أي أنها تسبق دولا بوزن الولايات المتحدة وإيطاليا وليبيا وغيرها.
ولكن يزول العجب إذا عُرف السبب غير المطروق: الملاذات الضريبية. وهذه، باختصار، دول توفر معدّلات منخفضة للغاية للضرائب، وكذلك قد توفر ضماناتٍ للسرية البالغة لبيانات مُلاك الشركات وأرباحهم. 
تستخدم الشركات المحلية طرقاً متعدّدة لتجنب الضرائب، أشهرها ما يُسمّى "الاستثمار الدائري"، حيث تُنشئ الشركة المحلية شركةً تابعة في إحدى دول الملاذات، وتقوم بتحويل أرباحها إليها، في صورة تكاليف إضافية، عقود خدمات إدارية واستشارية على سبيل المثال، ولاحقاً قد تقوم الشركة الخارجية بالاستثمار محلياً، وهذه المرة تحت قوانين الاستثمار الأجنبي، لا المحلي.
وفي نموذج لافت في مصر، ظهر أن رجل الأعمال المصري البارز، صفوان ثابت، قد باع 25% من أسهم شركة جهينة العملاقة لمنتجات الألبان إلى شركة مسجلة في جزر العذراء، يملكها هو نفسه وأسرته أيضا، لكنها الآن مسجلة في السجلات المصرية بوصفها "استثمارا أجنبيا"! 
ولا تقل الأبعاد السياسية فداحة عن الأبعاد الاقتصادية. في 2016، حين نشر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين تسريب "وثائق بنما"، والذي اشتمل على 11 مليون وثيقة لبيانات 214 ألف شركة، ظهرت ملكية أعداد كبيرة من السياسيين لهذه الشركات السرية، ومنهم محليا علاء وجمال مبارك، نجلا الرئيس المخلوع، حتى أننا شهدنا صورة لجواز سفر علاء الذي استخدمه لتسجيل شركة في جزر العذراء. ولافتٌ أن هذه الشركة امتلكت أسهما في صندوق استثماري في جزر الكايمان شاركه فيها رموز عصر مبارك، حسين سالم وأحمد عز، وامتلك حصصاً في 18 شركة محلية مصرية.
وبمد الخط، نشر موقع "مدى مصر" في 2018 تحقيقا مهما للصحافي حسام بهجت الذي تتبع شركة "دولفينوس" الخاصة التي وقعت عقد شراء الغاز الطبيعي من إسرائيل، ليصل إلى شبكةٍ من الشركات المملوكة في النهاية لجهاز المخابرات العامة وشركائه، وهي مسجلة في جزر العذراء وهولندا ولكسمبورغ وسويسرا.
وفي تقرير مطول، نشرته مؤسسة "غلوبال ويتنس"، الأسبوع الماضي، وساهم فيه كاتب هذه السطور، نقرأ تفاصيل شبكة "مافياوية" بالغة التعقيد لغسيل أموال نظام الأسد، وتجاوز نظام العقوبات الدولية، ومدّه بمشتريات دولية تدعم جرائمه، بما فيها إنتاج الأسلحة الكيماوية.
والمخاطر هنا تتجاوز منطقتنا بالكامل، وتتحوّل شيئاً فشيئاً إلى أزمة عالمية. 
وقد قرّرت المفوضية الأوروبية، في 2016، إلزام شركة أبل الأميركية بدفع 13 مليار يورو إلى إيرلندا، لأنها حصلت على إعفاءات ضريبية بالمخالفة لقواعد التنافسية، وهو ما أدى إلى صراع قضائي طويل، صدر به قبل أيام قرار لصالح "أبل". وفي أبريل/ نيسان الماضي، قال تقرير عن شبكة العدالة الضريبية إن الدول الأوروبية الأكثر تضرّرا بفيروس كورونا هي أيضاً الدول الأكثر تضرّرا اقتصاديا بتحويلات الأرباح إلى الملاذ الضريبي في هولندا، الذي استقبل ما يُقدر ب 44 مليار دولار من أرباح الشركات الأميركية العاملة في أوروبا.
وعلى نطاق أوسع، يبدو الموقف أكثر رعبا. قدّر باحثون في صندوق النقد الدولي حجم "الاستثمارات الشبحية" ب 15 تريليون دولار من إجمالي 40 تريليونا، هي حجم الاستثمار العالمي، أي نحو الثلث!
تستلزم الأزمات العالمية حلولاً عالمية. كانت الطريقة الأميركية قانون "فاتكا" الذي يلاحق ضرائب حاملي الجنسيات والإقامات الأميركية خارج الولايات المتحدة، بينما ما زال الاتحاد الأوروبي عالقا في مفاوضات توحيد سياساته الضريبية للشركات. .. ومن المؤسف أن هذه النقاشات لا تجد صدى في بلادنا الغارقة بقضايا أكثر شعبويةً أو أكثر مأساوية.