ملاحقات الجزائر: تمهيدٌ لتعديل الدستور أم استعادة هيبة الدولة؟

07 مايو 2020
الصورة
تجاوز عدد المعتقلين أخيراً 52 شخصاً (رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -

عادت الجزائر خلال الفترة الأخيرة، إلى دائرة انشغال المنظمات الدولية، النشطة في مجال الحرّيات السياسية وحقوق الإنسان وحرّية التعبير، إذ تمارس منظمات عدة ضغوطاً سياسية على السلطة في هذا البلد، بسبب ما تصفها بحملة تضييق على الحرّيات السياسية وملاحقة الناشطين المعارضين وقمع الصحافة المحلية المخالفة لتوجهات السلطة. ويأتي ذلك وسط قلقٍ داخلي من سعي السلطة إلى إبعاد الناشطين عن الساحة، تمهيداً لطرح تعديل الدستور، في الوقت الذي يُعلن فيه الرئيس عبد المجيد تبون عن خطط إصلاحٍ سياسي ودستوري، وإخلاء الساحة مما وصفها بـ"فوضى الديمقراطية"، وفرض تطبيق القانون واستعادة هيبة الدولة.

وعلى الرغم من تعليق تظاهرات الحراك الشعبي منذ 26 مارس/آذار الماضي، بسبب ظروف الحجر الصحي المرافق لأزمة وباء كورونا، إلا أن السلطات الجزائرية باشرت خلال الفترة الأخيرة، حملة ملاحقاتٍ واعتقالات ضد ناشطين في الحراك، بتهمٍ ولأسباب مختلفة، يتعلق جلُّها بالتعبير عن مواقف سياسية ورفض سياسات السلطة والتعليق على قرارات معينة. ودفع تزايد الاعتقالات والملاحقات الأمنية والقضائية ضد الناشطين، الناشط الحقوقي والمحامي عبد الغني بادي، إلى إطلاق نكتةٍ سياسية ساخرة، تقول إن السلطة تُعّد يومياً عدد الإصابات بفيروس كورونا، وهيئة الدفاع عن معتقلي الرأي تعد عدد المعتقلين والملاحقين يومياً.

خلال وقتٍ قصير، بات عدد الناشطين الموقوفين أو الملاحقين قضائياً في الجزائر ممن تمّ استدعاؤهم من قبل الأجهزة الأمنية إلى مراكز الشرطة، أكثر من 52 شخصاً، كان آخرهم الناشط لرياحي مليك، الذي أوقف في منطقة عين تموشنت غربي البلاد، والشاب وليد كشيدة في العاصمة، والذي اعتقل بسبب رسومات ذات مغزىً سياسي. ترافق ذلك مع حزمة التعديلات القانونية التي حصلت عليها السلطة، والتي تعزز القبضة الأمنية وتجرم بشكل فضفاض وغير محدد عدداً من التهم، من قبيل "المساس بالأمن والنظام العام"، و"المس بالوحدة الوطنية" و"استقرار المؤسسات".

وليس مفهوماً بشكل واضح الغايات السياسية للسلطة من حملة إخلاء الساحة من الناشطين، وعما إذا كانت تُرتب لمرحلة ما بعد كورونا لمنع عودة تظاهرات الحراك الشعبي، ومنع وجود أي مقاومةٍ لمسودة الدستور التي يعتزم تبون طرحها قريباً.

وإضافة إلى المقاومة المدنية والسياسية في الداخل ضد حملة الملاحقات، صدرت خلال أسبوع واحد أربعة تقارير وبيانات لمنظمات دولية مهتمة بملف حقوق الإنسان والحريات والصحافة، أولها التقرير الذي أصدرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، يوم الخميس الماضي، والذي استغربت فيه التناقض الواضح في سياسات تبون، بين دعوته إلى الإصلاح وحملة الملاحقات. وقال التقرير إنه "عندما تولّى تبون السلطة، عرض الحوار على الحراك، قائلاً إنه يسعى إلى إصلاحٍ سياسي جذري لإنهاء الممارسات السيئة، وإضفاء أخلاقيات على الحياة السياسية، وتغيير طريقة الحكم، غير أنه فعلياً لا يبدو مائلاً للمصالحة"، مذكرة بـ"عشرات النشطاء الموجودين خلف القضبان بسبب معارضتهم السلمية، بينما يمثل 173 آخرون أمام المحاكم". واستدلت المنظمة من أنه من بين هؤلاء الناشطين، لم يستفد أيٌّ منهم من قرار العفو الرئاسي الذي شمل أكثر من تسعة آلاف سجين، وحتى مع انتشار وباء كورونا، فإن السلطات ترفض وقف حملة الملاحقات. وخلص التقرير إلى القول إنه "يبدو أن السلطات الجزائرية تستخدم أزمة كورونا لمحاولة إرجاع مارد الاحتجاجات إلى القمقم".


قبل ذلك، كانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت بياناً يُطالب السلطات الجزائرية بـ"توقيف وبشكلٍ عاجل الملاحقات القضائية التعسفية الهادفة إلى إسكات أصوات نشطاء وصحافيي الحراك، في خضم تفشي وباء كورونا، والإفراج فوراً عن كل من تستهدفهم هذه المحاكمات الصورية". واتهم البيان السلطات الجزائرية باستثمار ظروف جائحة كورونا لتسريع الملاحقات القضائية والمحاكمات ضد النشطاء والصحافيين وداعمي الحراك، وقدّرت المنظمة أن هذه الملاحقات والمحاكمات ذات دوافع سياسية. كما أصدرت المنظمة بياناً ثانياً يوم الخميس الماضي، ضدّ ما وصفته بعودة التضييق على وسائل الإعلام، وأعلنت إطلاق حملةٍ أوسع بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي صادف يوم الأحد الماضي، لحشد المؤيدين والصحافيين في كل أنحاء العالم لصالح إظهار التضامن مع الصحافيين في الجزائر ومطالبة السلطات بإنهاء القيود غير المبررة المفروضة على الصحافيين ووسائل الإعلام المستقلة في الجزائر.

وفي السياق، كانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قد دانت الاعتقالات والملاحقات التي طاولت عدداً من الصحافيين، كالصحافي خالد درارني، ووضع ثلاثة صحافيين تحت الرقابة القضائية، وحجب مواقع إخبارية معارضة.

لكن السلطات الجزائرية ترفض باستمرار هذه التقارير، معتبرةً أنها موجهة ضد الجزائر، وهو التقدير ذاته الذي كانت تعتمده السلطة الجزائرية قبل الحراك الشعبي في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ورفض المتحدث الرسمي باسم الرئاسة محند السعيد أوبلعيد، خلال مؤتمر صحافي عقده قبل نحو ثلاثة أسابيع، الحديث عن معتقلي رأي في الجزائر، وذكر أن الموقوفين والملاحقين ارتكبوا مخالفات يعاقب عليها القانون، ويوجدون بين يدي القضاء الذي سيتحرى في صحّة الاتهامات الموجهة إليهم. كما اتهمت الحكومة الجزائرية هذه المنظمات بالعمل ضد البلاد واستهدافها.

لكن تقدير محللين وحقوقيين في الداخل الجزائري للموقف مخالفٌ تماماً للتقدير الرسمي. وتحدث عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي، الناشط عبد الغني بادي، في تغريدة له عبر "تويتر"، عن عودة ما سمّاه "البوليس السياسي الذي يواصل مصادرة حرية التعبير والموقف السياسي"، قائلاً إن ما يحدث "محزن حقاً، نحن نتجه إلى الإحصاء اليومي للمعتقلين". ويقود ذلك إلى البحث عن الخلفيات التي تقف وراء حملة الملاحقات الأخيرة، وعلاقتها بترتيبات المرحلة المقبلة.

​ورأى محلل الشؤون السياسية، حكيم مسعودي، أن المشهد الحالي لواقع الحرّيات في الجزائر "يناقض تماماً الاتجاه العام الذي يفترض أن تتخذه السلطات بعد حراك 22 فبراير/شباط 2019"، لافتاً في تصريح لـ"العربي الجديد" إلى أنه "في الوقت الذي كان ينتظر الجزائريون التمتع بالحقوق والمكاسب الثورية، لا سيما في مجال الحريات والديمقراطية عموماً، من الواضح أن السلطة تعبد الطريق لمرحلة ما بعد كورونا بتسقيف الجو العام لممارسة الحريات، التي لا تبدو أنها ستتسع بقدر ما تتقوض". وأضاف مسعودي أن "السلطة فهي تسقف معها حتى المنتظر من التعديل الدستوري، الذي لا يعول عليه في تحقيق شيء جديد على هذا المستوى، لا سيما بعد إعلان أحد خبراء لجنة صياغته، الاستقالة بفعل تصادم الوعود السياسية للرئيس مع مضمون مسودة الدستور". واعتبر أن "السلطة أبانت بوضوح عن نواياها للمرحلة المقبلة، من خلال ممارساتها الحالية في مجال الحريات العامة"، معرباً عن اعتقاده أنها "لا تريد أي تشويش على المشهد الاستعراضي الذي تريده أن يرافق التعديل الدستوري الذي سيحمل عنوان الإصلاحات السياسية أو الجزائر الجديدة للرئيس تبون، كما أنها تسعى من خلال الاعتقالات إلى تخويف الحراك حتى لا يعود إلى مسيراته التي جمّدها قبل شهر ونصف مراعاة للظرف الصحي".

ويدعم هذا التقدير السياسي الكاتب المتخصص في الشؤون السياسية أحسن خلاص، الذي اعتبر أن حملة الملاحقات والاعتقالات التي تطاول الناشطين "تشوش كثيراً على مشروع الدستور والإصلاحات الجديدة للرئيس تبون، وتضر بخياراته". ورأى خلاص في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "السلطة ماضيةٌ في تنفيذ أجندتها، سواء بحضور الناشطين أو بغير ذلك"، معتبراً أن "تكثيف الاعتقالات لا يخدم مشروع الدستور، ولا يهيئ له الجو المناسب لتمريره". وأعرب الباحث السياسي الجزائري عن اعتقاده أن "هناك إرادتين متصارعتين، إرادة أمنية وأخرى سياسية، وحرب المواقع تقع داخل أروقة القضاء".

ولفت خلاص أخيراً إلى "وجود مؤشر على أن المسودة المقترحة للدستور بعيدة عن رسالة التكليف الرئاسية، والدليل أن عضواً من اللجنة الدستورية قدّم استقالته". وبالنسبة إلى وضع الحريات، لفت خلاص إلى أن "المفارقة هي أن الرئاسة تبرر ذلك، بأنها تطبق القانون بصرامة، وهذه هي الجمهورية الجديدة، المتحدث باسم الرئاسة قال ذلك بوضوح، وذكر أن هذا هو الأمر الواقع، وإذا لم تعجبكم هذه القوانين، ترشحوا للتشريعيات المقبلة واحصلوا على الأغلبية، لتغيروها إذاً".

في المقابل، ثمّة موقف وقراءة مخالفة لذلك تماماً، تدرج حملة التضييق ضمن ما تصفها بـ"استعادة هيبة الدولة"، أو ما وصفها تبون في آخر رسالة له بمناسبة يوم العلم، "وقف الفوضى التي نتجت عن الديمقراطية المزيفة". ولهذه القراءة كثير من المدافعين عنها. وفي هذا الإطار، اعتبر الكاتب ومدير تحرير صحيفة "جيجل الجديدة"، عبد اللطيف بوسنان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "السلطة الحالية تريد ردّ الاعتبار لهيبة الدولة، حتى وإن كانت المنهجية والسبيل إلى ذلك غير مقبولين من قبل الكثير من الأطراف، خصوصاً في ما يتعلق بالتضييق على النشطاء والمعارضين، لكن نيّة السلطة في فرض احترام القانون على الجميع واضحة، بمعنى أنها تريد القول إن من أهم نقاط ضعف حكم بوتفليقة، التسيب والفوضى في مجالات مختلفة منها الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، وبالتالي هي تحاول فرض نوع من النظام".

ورفض بوسنان ربط ما تقوم بها السلطات بترتيب تمرير مسودة الدستور، معتبراً ان "السلطة ليست بحاجة لكل هذه الإجراءات من أجل تمرير تعديل الدستور، ولاحظنا كيف تمّ تمرير انتخابات 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي (الرئاسية) بصورة طبيعية، وفي ظروف أصعب بكثير، في وقت كان الحراك لا يزال قوياً، والسلطة لها وسائل، وإمكانيات كبيرة لتمرير تعديل الدستور من دون اللجوء لكل هذه الاعتقالات". ولفت بوسنان إلى مفارقة مهمة، و"معاكسة"، فالسلطة في الجزائر "عوّدتنا على التهدئة والبحث عن الحلول الوسط، عند كل موعد هام، اليوم أعتقد أننا نعيش مرحلة تحاول فيها هذه السلطة إعادة بناء الدولة المنهارة". وأشار إلى أن "إعادة بناء دولة قوية تقوم على احترام الحرّيات العامة والمواطنين، لن تكون قبل تصفية الساحتين السياسية والإعلامية من الشوائب والفوضى التي أعطت صورة قاتمة عن الجزائر".

المساهمون