ملابس شتوية... استرجاع القديم في مصر

ملابس شتوية... استرجاع القديم في مصر

13 ديسمبر 2018
الصورة
في سوق شعبي في القاهرة قبيل الشتاء (فرانس برس)
+ الخط -

يبدو أنّ الأزمة المعيشية التي يشكو منها المواطنون المصريون، والتي راحت تبرز أكثر فأكثر بالتزامن مع موسم العودة إلى المدرسة، قبل أكثر من شهرين، تظهر اليوم جلية في أسواق الملابس، خصوصاً أنّ الشتوي منها أغلى من الصيفي عموماً

لم يبق غير أيام قليلة حتى بدء فصل الشتاء في مصر، وقد بدأت منذ فترة محلات الملابس في مختلف المحافظات تعرض البضائع الشتوية في انتظار الزبائن، خصوصاً مع الركود الذي عرفه المبيع خلال فصل الصيف، بسبب ارتفاع الأسعار. لكنّ ارتفاع أسعار الملابس الشتوية جعل بعض المحلات "للفرجة" فقط. ويُعَدّ موسم الشتاء عموماً عبئاً ثقيلاً على كاهل الطبقتَين المتوسطة والفقيرة، إذ إنّ تلك ملابس تتطلّب ميزانية كبيرة لا يستطيع تحمّلها أبناء الطبقتَين. واليوم، وسط غلاء الأسعار في الأسواق، يتبيّن أنّ أسعار تلك الملابس ارتفعت بنسبة أكثر من 50 في المائة بالمقارنة مع العام الماضي، ليظنّ الناس أنّها للأغنياء فقط. بالتالي، توجّه كثيرون إلى الأسواق الشعبية وإلى باعة الأرصفة لتوفير احتياجاتهم.

يُعَدّ شارع 26 يوليو بوسط القاهرة من أهم مناطق القاهرة لبيع الملابس بأنواعها المختلفة، على مدار العام. وفي هذا الموسم، على سبيل المثال، يتراوح ثمن الجاكيت (السترة) النسائية بما بين ألف و1500 جنيه مصري (نحو 56 - 84 دولاراً أميركياً)، بدلاً من 800 جنيه (نحو 45 دولاراً) في العام الماضي. أمّا سعر الجاكيت الرجالية القصيرة فيتراوح ثمنها ما بين 700 جنيه و900 (40 - 50 دولاراً) بحسب الجودة، في مقابل 500 جنيه (نحو 28 دولاراً) في العام الماضي، بينما يتخطّى ثمن الجاكيت الرجالية الكلاسيكية ألف جنيه (نحو 56 دولاراً).




وفي حين توصف أسعار الملابس الشتوية بـ"النار" في وسط القاهرة، تشهد أسواق ملابس البالة المشهورة بمنطقة وكالة البلح في القاهرة حركة نشطة، بسبب انخفاض أسعارها. يُذكر أنّ "أبناء الذوات" يرتدونها كما يفعل الفقراء، إذ إنّها تجمع كل الماركات والأسعار.

يعيد التجار سبب ارتفاع الأسعار إلى الزيادة التي تلحق بتكاليف الملابس المستوردة والتي تخطت الضعفَين، وذلك بسبب تحجيم الاستيراد وارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي أمام الجنيه المصري. يقول فوزي السيد، وهو صاحب أحد المحال: "نحن نشتري الملابس من التجار الكبار بأسعار مرتفعة"، مشدداً على أنّ "المتضرر الأكبر من جرّاء ارتفاع الأسعار هو نحن، لأنّنا لم نعد نبيع مثلما كنّا من قبل. والحال عموماً راكدة". يضيف السيد أنّ "المبيعات في موسم الصيف الأخير كانت كذلك أقلّ من العام الماضي"، متوقعاً المثل في موسم الشتاء. ويشير إلى أنّ ذلك "قد يزيد أكثر، لأنّ أسعار ملابس الشتاء هي بطبيعة الحال أغلى من ملابس الصيف".

ويؤيّد محمد مختار، وهو صاحب محل، رأي السيّد، مؤكداً أنّ "البيع في أسوء أحواله. والزبائن يظنون أنّ الزيادة هي لمصلحتنا نحن كبائعين. لكنّ الأمر بخلاف ذلك، إذ إنّنا أوّل المتضررين من هذه الزيادة. ونحن نتمنى لو تنخفض الأسعار وترجع حالة البيع إلى سابق عهدها". أمّا محمد عبد القادر، وهو صاحب محل كذلك، فيقول إنّ "الملابس الشتوية في محلات وسط القاهرة هي للفرجة فقط وليست للشراء". ويشير إلى أنّ "موسم الشتاء يتّسم في العادة بإقبال كثيف على الملابس، غير أنّه ونظراً إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن، فإنّه من المتوقع أن تنخفض حركة البيع والشراء بنسبة كبيرة هذا العام". يضيف أنّ "المواطن لم يعد يشتري إلاّ ما يحتاج إليه من ملابس، فالتجديد والموضة ليسا هدفه اليوم".



في المقابل، يتحدّث الحاج صلاح متولي، وهو صاحب محل بوكالة البلح، عن "إقبال إلى حد ما على محلات الوكالة لشراء الملابس الشتوية"، لافتاً إلى أنّ "الملابس المستعملة بالوكالة أفضل بكثير من المنتجات الجديدة، خصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار حالياً"، ويوضح أنّ "أسعار الملابس في الوكالة تراوح ما بين 100 جنيه و300 (نحو ستة دولارات إلى 17 دولاراً)، وجودة المستعمل هنا أهم من أكبر محلات في وسط البلد. وهو الذي يؤدي إلى زيادة في الإقبال".

وتسبب ارتفاع أسعار الملابس الشتوية بعزوف بعض المصريين عن الشراء. تقول سناء محمد، وهي ربّة منزل، إنّ "أسعار ملابس الشتاء لهذا العام غير طبيعية، وتفوق قدرة أيّ شخص". تضيف: "لو رغبت في شراء طقم ثياب كامل، فإنّه سوف يكلّفني أكثر من 1500 جنيه (84 دولاراً). كذلك، لديّ طفلان، لو اشتريت لهما ملابس بأكثر من ألفَي جنيه، ماذا نفعل بعدها؟". وتتابع محمد أنّ "الفصل هو فصل الشتاء، ولا مفرّ لنا من الشراء، لأنّ ذلك سوف يجعلنا نموت من البرد"، مؤكدة أنّ "الأسعار صارت حملاً ثقيلاً، وربنا يكون في عون الناس". أمّا أسماء حماد، وهي موظفة، فتخبر: "سمعت بداية من زملائي عن غلاء أسعار ملابس الشتاء، ولمّا توجّهت إلى السوق رأيت ذلك بنفسي". تضيف أنّ "راتب شهر كامل لن يكفي لشراء قطعة ملابس شتوية واحدة. لذلك قررت عدم شراء ملابس شتوية جديدة هذا العام، وسوف أكتفي بملابس الموسم الماضي، في انتظار انخفاض الأسعار في نهاية موسم الشتاء. حينها أشتري بحسب التخفيضات".

من جهته، يقول إسلام محمد الذي يعمل في إحدى شركات القطاع الخاص، إنّه قرّر عدم شراء ملابس شتوية جديدة لنفسه هذا العام، بعدما علم بالأسعار غير الطبيعية، مؤكداً "سوف أكتفي بارتداء ملابس الشتاء الماضي، وأشتري عدداً محدوداً من القطع الشتوية لأولادي من الأسواق الشعبية الأرخص سعراً". أمّا شيماء إبراهيم، وهي ربّة منزل، فتقول بنبرة حزينة: "سلّمت أمري إلى الله، في ما يخصّ الغلاء الذي يحيط بنا"، مستنكرة "الأسعار المرتفعة إلى هذا الحد الكبير". تضيف إبراهيم: "لديّ ولدان في المدرسة. وأتساءل ما العمل؟ الحلّ، ربّما يكون في طلب ملابس الشتاء من إحدى الجمعيات".




في السياق، تخبر بسمة محمد، وهي موظفة، أنّها اعتادت الشراء "من الوكالة منذ 11 عاماً، نظراً إلى راتب زوجي وظروف الأسرة المؤلّفة من أربعة أولاد في مراحل مختلفة من التعليم، لا سيّما الجامعي". وتشير إلى أنّ "أسعار الطقم الواحد في محال وسط البلد تراوح ما بين سبعمائة جنيه وألف (نحو 39 دولاراً إلى 56 دولاراً). وهذا المبلغ، إذا أضفنا إليه مالاً قليلاً، من الممكن شراء أربعة أطقم لأولادي من وكالة البلح به. والملابس هناك جيدة وجميلة".