مفكرة المترجم: مع أحمد عبد اللطيف

19 ابريل 2020
الصورة
(أحمد عبد اللطيف)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم. "لا أحترم الكاتب الغربي الذي يتحدّث عن الهولوكوست ويتجاهل القضية الفلسطينية والملايين الذين ماتوا بالرصاص الإسرائيلي أو تشرّدوا"، يقول المترجم المصري.


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟

- الترجمة كانت دراستي. درستُ في قسم اللغة الإسبانية بكلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر. اخترتُ القسم والكلية بهدف دراسة الأدب والتاريخ الإسباني والأميركي اللاتيني، ثم فوجئت بأنَّ الترجمة مادة أساسية في كل الفصول الدراسية على مدار أربعة أعوام، فكانت سنوات الجامعة المختبر الأول. بعد التخرُّج كانت اختياري الأوّل في العمل، نحن نتكلّم عن بداية الألفية، وكان من الصعب جدّاً الاعتماد عليها كمصدر للعيش، لكني كنت محظوظاً لأني بدأت الكتابة مبكراً، وكانت الصحافة من هواياتي المحبّبة، فمزجت كل ما أحب وعملت بالصحافة والترجمة معاً.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟

- نشرتُ مؤخّراً "من الظل" و"أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي" لـ خوان خوسيه مياس عن "منشورات المتوسّط"، و"الجمهورية المضيئة" لـ أندريس باربا عن "دار ذات السلاسل" الكويتية، ومجموعة "الغزو" لـ ريكاردو بيغليا عن "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" في الكويت. والآن أترجم "قصّتي الحقيقية" لـ خوان ميّاس.


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟

- لديَّ تصور أن المتلقّي هو العقبة والأزمة. في الكتب، القارئ. في السينما، المشاهد. في الفن التشكيلي، جامع اللوحات. حتى في التجارة، الزبون. في الكتب القارئ هو من يحدّد حركة السوق، بناءً عليه تطلب المكتبات نوعية معيّنة من الكتب، وبناءً عليه تطلب دور النشر من المترجمين، هكذا يغرق السوق بالروايات ويغيب الشعر والقصّة، هكذا تختفي الدراسات الفكرية والتاريخية والنقدية، ثم نرجع ونشكو من غياب الوعي وتراجع الثقافة العامّة. ورغم أنني روائي، وأحب ترجمة الروايات، إلّا أن الثقافة أشمل وأوسع. أصارحك، القارئ هو عدوّي الأول كمترجم لأنه يحدّد خياراتي. أمّا ككاتب، فهو ليس عدواً لأنه لا يشغلني ولا يؤثّر في منتجي الإبداعي، ولو فكّرت فيه سأُنهي حياتي ككاتب.


■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟

- عادةً أحرّر نصوصي قبل تسليمها للدار، أنا محرّر أيضاً، وعملت لسنوات محرّراً صحافياً، كما أن كوني كاتباً يساعدني كثيراً في الترجمة، في العثور على إيقاع الكاتب والإمساك بنبرته. مع ذلك، أقبل دائماً النقاش مع محرّر أي دار أتعامل معها، ومعظم الأحيان يكون نقاشاً حول مفردة. لكني أعترف لك بأهمية وجود محرّر في دور النشر، هو عين إضافية تنظر معنا وبوسعها كشف عيوب النص.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟

- لديّ مشروع في الترجمة أتقاسمه مع دور النشر، يتنوّع ما بين كُتّاب مهمّين وكُتّاب شباب واعدين، كُتّاب من إسبانيا وكُتّاب من أميركا اللاتينية. أحاول قدر الإمكان إعطاء لمحة صادقة عن الكتابة باللغة الإسبانية الآن، ودار مثل "المتوسّط" و"ذات السلاسل" تمنحني هذه الفرصة، في محاولة لخلخلة الذوق الثابت وإضافة جديد، عن "المتوسّط"، مثلاً سيصدر كتاب "القارئ الأخير"، وهو عمل نقدي لـ ريكاردو بيجليا.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟

- أنا لا أحب الكاتب الذي بلا موقف سياسي أو مواقفه السياسية عنصرية أو موالية للسلطة (حتى لو كانت السلطة تعبّر عنه أيديولوجياً)، ولا أحترم الكاتب الغربي الذي يتحدّث عن الهولوكوست ويتجاهل القضية الفلسطينية والملايين الذين ماتوا بالرصاص الإسرائيلي أو تشرّدوا في بلاد الله الواسعة، وأعتقد أن الكتابة موقف من الحياة، وإن لم تستطع أن تغيّر العالم فعلى الأقل عليها أن تؤشر إلى قبحه.

لذلك أحب جوزيه ساراماغو، وخوان مياس، وجيوكوندا بيلي، وريكاردو بيجليا. لكن دعني أفكّر معك أن دور المترجم الرئيسي هو نقل المعرفة، حتى لو كانت المعرفة ضد قناعته، بذلك يصح أن تنقل عملاً هامّاً لكاتب تختلف معه، فأساس كل شيء هو إتاحة المعرفة، ثم ننتقد هذه المعرفة ونفنّد هذا الطرح. في حالتي لم أمتنع عن ترجمة كاتب مخالف لي، لكني تحمّست جمالياً وإنسانياً لكُتّاب أكثر فنّاً وأكثر إنسانية وتعاطفاً مع المضطهَدين.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟

- ما قبل الترجمة أقرأ الكتابات النقدية عن العمل وأهتم بحوارات الكاتب، ثم أنفرد بالنص بعيداً عن أي تشويش، وأحاول التعامل مع الصعوبات وحلّها في ساعتها أو تركها والعودة إليها بعد ذلك. لو تبقّت صعوبات بلا حل أضطر للجوء إلى المؤلّف. حدث ذلك مرّتَين، مرّةً أخطأ فيها ميّاس فوضع اسم بطلة مكان بطلة أخرى ولم يكن مقنعاً لي، فتواصلت معه وانتبه أنه خطأ مطبعي. ومرّةً مع باتريثيو برون لاستخدامه نقاطاً كثيرة جدّاً في نصوص صحافية مضمّنة في الرواية، ورأيت التخلّي عنها لعدم جدواها.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟

- المترجم بداخلي يستفيد من الكاتب، لكن الكاتب يتضرّر من المترجم. هي علاقة إشكالية لأني أديب وأترجم أدباً، لكني أحلّها بأني مصاب بالشيزوفرينيا، أبدأ يومي بالكتابة والقراءة ثم أترجم عدّة صفحات يومياً. أحاول ألا يؤثّر أسلوبي الشخصي في الترجمة، أحاول أن أختبئ لأمنح للكاتب الأصلي صوته وإيقاعه ولغته، ربما أنجح أحياناً وأفشل أحياناً أخرى.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟

- أتمنّى الفوز بإحداها لأشتري بيتاً.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟

- أقدّر مشاريع الترجمة المؤسساتية وأدعوها لأن تعتني أكثر بالكتب الفكرية والتاريخية والدراسات النقدية لسدّ فراغ كبير في المكتبة العربية. هناك مئات الكتب عن التاريخ العربي الأندلسي مثلاً، والكثير من الكتب النقدية والفكرية التي يحتاج إليها العقل العربي ليخطو خطوات أخرى للأمام. وأتمنّى أن تلتفت المشاريع نفسها للتعاون مع مؤسّسات أجنبية لترجمة الأدب والفكر العربيين إلى لغات الأجنبية. نحتاج إلى هذا التعاون والتبادل الثقافي.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

- أنا دائماً في حالة قراءة وبحث عن الكتب الجيدة كقارئ في المقام الأوّل، ثم أعد بها قوائم كمشاريع مستقبلية. عادةً أقرأ الكتاب قبل ترجمته، وأقرأ ما يحيط به من نقد وحوارات لأفهم ما يحيط به من حمولات ثقافية وسياسية إذا وُجدت، وأخطّط بالقلم كثيراً. ساعات الصباح الأولى أخصّصها للكتابة والقراءة، وبداية من الثانية عشرة ظهراً أبدأ في الترجمة. في المساء أعود للقراءة مرّةً أُخرى ثم أتفرّج على فيلم أو فيلمين بالبيت وأحياناً أخرج للسينما.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟

- لم أندم على ترجمة نص، لكني كنت أتمنّى ترجمة أحد أعمال روبرتو بولانيو.


■ ما الذي تتمنّاه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟

- أتمنّى أن تُشكّل الترجمة إلى العربية ذائقة رفيعة للقرّاء وألّا تستسلم لذائقة قرّاء يحبّون القراءات السهلة. الترجمة مشروع ثقافي ومعرفي لا يجب أن تشغل المتعة فيه إلا حيّزاً صغيراً. أمّا حلمي الشخصي فتأسيس مؤسّسة للدراسات العربية والإسلامية تهدف إلى الترجمة إلى العربية، ومنها ما يخصّ تاريخنا العربي وثقافتنا. هناك آلاف الكتب التي كتبها علماء غربيّون نحتاج إلى قراءتها لنفهم أنفسنا، وهناك آلاف الكتب التي نحتاج إلى أن نترجمها لنعيد تقديم أنفسنا بالطريقة الصحيحة، بالطريقة التي تليق بنا.


بطاقة

روائي ومترجم مصري من مواليد القاهرة عام 1978، وباحث في "جامعة أوتونوما دي مدريد" بإسبانيا. صدرت له قرابة عشرين كتاباً مترجًماً من الإسبانية؛ من بينها: "الذكريات الصغيرة" (2006)، و"البصيرة" (2008)، و"ثورة الأرض" (2009)، و"مسيرة الفيل" (2011)، و"كتاب الرسم والخط" (2012) لجوزيه ساراماغو، و"لاورا وخوليو" (2005)، و"المرأة المهووسة" (2017)، و"من الظل" (2018)، و"الأشياء تنادينا" (2018)، و"أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي" (2019) لـ خوان مياس، و"قرار رفيع" (2007) لـ ميغيل ميورا، و"ما جئت لإلقاء خطبة (2011) لـ غابرييل غارسيا ماركيز، و"الكون في راحة اليد" (2012) لـ جيوكوندا بيلي، و"الغزو" لـ ريكاردو بيجليا، و"الجمهورية المضيئة" لـ أندريس باربا، و"حكايات أندلسية" و"حكايات لاتينية" (2019).

كما أصدر ست روايات، هي: "صانع المفاتيح" (2010)، و"عالم المندل" (2012)، و"كتاب النحات" (2013)، و"إلياس" (2014)، و"حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية" (2017)، و"سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج" (2019).

المساهمون