معطوب بعد 18 عاماً: كأننا عدنا إلى الوراء

25 يونيو 2016
الصورة
معطوب الوناس (1956 - 1998)

مثلما أنهت تلك الرصاصات التي أُطلقت على معطوب الوناس (1956 - 1998)، وهو متّجه إلى بيته في قرية "ثالا بونان"، في محافظة تيزي وزو شرقي الجزائر العاصمة، على الواحدة ظهراً في مثل هذا اليوم من عام 1998، حياة مطرب ومناضلٍ ملتزم، فقد حوّلته إلى رمز وشهيد للنضال، هو الذي كرسّ فنه من أجل قضايا الثقافة الأمازيغية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

بعد 18 عاماً على رحيله، يبدو وكأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة في منطقة القبائل، وفي الجزائر بشكل عام؛ أو لعلّه عاد قليلاً إلى الوراء: انتقل كثيرٌ من رفقاء درب المطرب الأمازيغي من صفوف المعارضة إلى السلطة،، بل وباتو من رموزها، بعضهم كان قد امتدحهم في أغنياته بسبب مواقفهم "الشجاعة" ضدّ تلك السلطة؛ مثلما هو الأمر بالنسبة إلى خليدة تومي، وزيرة الثقافة السابقة.

هكذا، تراجعت الشعارات الكبيرة التي كانت تنادي بالديمقراطية والاعتراف بالثقافة واللغة الأمازيغيتين، فيما اعتبره كثيرون خيانةً لنضال "شهيد الحرية"، وحلّ محلّها صمتٌ مطبق في أحسن الأحوال، لأن الحالة الأسوأ هي صوت الانفصاليين الذي أصبح الأكثر ارتفاعاً، مع تزايد نفوذ حركة "الماك" التي تُطالب بحكم ذاتي في منطقة القبائل.

ظهرت الحركة عام 2002 في خضم احتجاجات وأحداث دموية عاشتها منطقة القبائل، وزعيمُها هو مغنّ أمازيغي مغمور اسمه فرحات مهني، لم يتوقّف عن إثارة الجدل والانتقادات بسبب مواقفه، بدءاً بدعواته إلى "تدويل القضية" ومنح المنطقة حكماً ذاتياً، وليس انتهاءً بزياراته إلى "إسرائيل" ودعواته إلى "صداقة معها".

لم تفوّت "الماك" مناسبة إحياء الذكرى الثامنة عشرة، اليوم، لرحيل معطوب. في مسقط رأسه، اليوم، شهدت تأبينيته أجواء مشحونة بين ثلاثة أطراف: مليكة معطوب شقيقة المطرب الراحل، والسلطات الرسمية التي حضرت لتكريمه، وأنصار الحركة الذي احتجوا على حضور الاثنين معاً، فمنعوا الأول من وضع إكليل من الورود على قبره، والثانية من إلقاء كلمة بالمناسبة.

يؤكّد المشهد أن "الماك" بات حاضراَ بقوّة، كما يختصر العلاقة بين تلك الأطراف التي يكنّ كل منها عداءً للآخر ويكيل له الاتهامات: "مليكة فرّطت في دم أخيها". "السلطات تكرّم مطرباً ومناضلاً هي من قتله". "الماك يتاجر بنضال رجل لو كان ما يزال حيّاً لكان أوّل معارضيه". ذلك ما يقوله كلّ طرف عن الآخر.

المؤكّد وسط كل ذلك أيضاً أن قضية معطوب ستبقى ضحية للمزايدات السياسية، وأن الحقيقة ستظلّ هي الخاسر الأكبر، حتى إشعار آخر.

كانت القضية قد عادت، قبل أيام، إلى الواجهة بإعلان أرملته رفعها دعوىً قضائية ضد قائد سابق لتنظيم إرهابي يُسمّى "الدعوة السلفية للجهاد والقتال"، بتهمة اغتيال زوجها، ومحاولة اغتيالها رفقة أخواتها.

وقالت نادية معطوب، في بيان لها، إنها أودعت دعوىً قضائيةً ضدّ حسان حطاب الموجود، حالياً، تحت الرقابة القضائية في الجزائر العاصمة، "من أجل المطالبة بالحقيقة وتسليط الضوء ونهائياً عن هذه القضية"، مكرّرةً أسفها من "غياب أي تحقيق جدّي من السلطات العمومية لكشف حقيقة ما حدث".

تُعتبر الخطوة بمثابة تغيّر في مسار القضية، إذ أن شقيقة المطرب الراحل كانت تتّهم القيادي السابق في حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، نور الدين آيت حمودة، بالوقوف وراء جريمة الاغتيال.

في تصريحات لوسائل إعلام محلية، اعتبر امين سيدهم، محامي آيت حمودة، أن فتح تحقيق آخر في القضية مرتبط بظهور معطيات وعناصر جديدة فيها: "إذا استطاعت السيدة معطوب توفير عناصر جديدة في القضية، يمكن للنيابة أن تأمر بإعادة فتح تحقيقات جديدة".

ويشير المتحدّث إلى أن استفادة حطّاب من "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، الذي أنهى سنوات "العشرية السوداء"، يطرح إشكالاً قانونياً في حالة فتح ملف القضية من جديد، لأن الميثاق يحظر متابعة المستفيدين من تدابيره قضائياً.