معضلة مظلّة هبوط

28 سبتمبر 2016
الصورة
(سابيلا في القدس 2016، تصوير: كليمنت شابلن)

[كتاب "معضلة مظلّة هبوط" لـ ستيف سابيلا، والذي يصدر هذه الأيام بالإنكليزية عن دار نشر "كيربر" في برلين، يتضمّن مقاطع سردية من سيرة للفنان المقدسي الذاتية كفنان مفاهيمي ولد في القدس المحتلة عام 1975، وتجربته في مواجهة استعمار المخيّلة، الذي يعتبره أشد قسوة من احتلال الأرض. شكّلت علاقة سابيلا بالقدس موضوعاً رئيسياً لفنه، عابراً به مراحل مختلفة ومتنقلاً بين وسائط متعددة ليصل إلى الكتابة أخيراً، بعد أن وضع اسمه بين أبرز أبناء جيله على خارطة الفن في العالم. هنا، مقدّمة العمل مُترجمةً إلى العربية]


حين دخلتُ البيت، سابقتُ الزمن لحزم أمتعتي والوصول إلى "مطار بن غوريون" (مطار اللد). كنتُ مرهقاً، وأرهبتني ساعات الاستجواب والتحقيق الثلاث من قبل موظفي أمن المطار الإسرائيلي.

- شالوم، ميه إيفو أتا؟ (مرحباً، من أين جئت؟)

قلتُ بلهجة عبرية وأنا أغرغر بحرف الراء في كلمة يوروشليم:

- أنا قادم من القدس.

فتابعتْ:

- من أين تحديداً؟

إن أجبتُ "من القدس الشرقية"، فسيعني هذا أنني عربي، وإن أجبتُ "من القدس الغربية" فسيعني هذا أنني يهودي، وأجبت:

- من المدينة القديمة، شارع أنطونيا.

تفحَّصَتْ جواز سفري، إلا أن مكاني الأصلي ظلّ غير واضح بالنسبة إليها. سألتني عن اسم والدي:

- إيميل.

- اسم أمّك؟

- إسبيرانس.

- اسم جدَّك؟

- أنطون.

- ماهو أصل اسم سابيلا؟

- إيطالي.

- هل تحتفل بالحانوكا؟

- ولم لا؟

- هل تحتفل بعيد الميلاد؟

- بالطبع.

تردّدتْ في السؤال عما إذا كنتُ عربياً، أو عربياً فلسطينياً. ولأجعل الإجراءات تمضي بسرعة أخبرتها أنني جئت من القدس، العربية. كل ما أردته هو الصعود إلى الطائرة وإغماض عينيّ.

- ما هو عملك؟

- فنان، وأعمل مصوراً فوتوغرافياً مع الأمم المتحدة.

أبرزتُ لها بطاقتي الصحافية.

- أين كنتَ قبل وصولك إلى المطار؟

لم أستطع إخبارها أنني كنتُ مختطفاً للتو في غزة. ستعتبر هذا تهديداً أمنياً، ومن المؤكد أنها لن تسمح لي بالصعود إلى الطائرة.

- في القدس.

- ولماذا أنت ذاهبٌ إلى سويسرا؟

- لقضاء فترة إجازة مع زوجتي وابنتي. زوجتي سويسرية.

- لماذا تسافر وحيداً؟
- لماذا تعمل مع الأمم المتحدة؟
- هل سافرتَ مع الأمم المتحدة إلى غزة؟
- لماذا تعيش في القدس؟
- لماذا لا تعيش في سويسرا؟
- متى استوطنت عائلتك في القدس؟
- لماذا اسمك ستيف؟

كانت الأسئلة بلا نهاية. واستُبدل حارسُ أمن ثانٍ بالأول، وثالث بالثاني، إلى أن حضر رئيس الأمن. وواصلتُ تكرار الحكاية نفسها مرة بعد أخرى. كان عليّ أن أكون متماسكاً، حكايتي متناسقة من دون ارتكاب أي خطأ.

- اسمعوني، هذه هي حكايتي، لن تتغير مهما طال استجوابكم لي.

فإما أن تدعوني أذهب إلى بيتي في القدس، أو تدعوني أصعد إلى الطائرة.

دعونا ننتهي من هذا.

توقفوا عن محاولاتهم، وسمحوا لي بالصعود إلى الطائرة بعد فحص دقيق للحقيبة وتفتيش جسدي بالكامل. رافقوني إلى الطائرة مثل شخصية مهمة جداً، وأخيراً تركوني. وجدتُ مقعدي. جلستُ ومِلْتُ بظهر المقعد إلى الوراء لأغمض عينيّ لأول مرة منذ يومين. إلا أنني في كل مرة كنت أسمع فيها طقة حزام المقعد، كنت أصحو مُجفلاً لأن صوتها كان يشبه سحب أقسام بنادق الخاطفين.

فتحتُ عينيّ القلقتين، وضبطتُ رجلا يراقبني. كان رجلا أسود البشرة. وتخيلتُ للحظة أنه كان الرجل الذي أطلق الخاطفون سراحه في هذا الصباح. حين لاحظ أنني ضبطته فكّ حزام مقعده وجاء إليّ وجلس على مقعد بجانبي. فتح الجريدة وأشار إلى صورة فوتوغرافية أنا فيها...

- هل هذا أنت؟

كانت صورتي مع امرأة تحيط بنا بنادق، مع عنوان بالبنط العريض: "إطلاق سراح عاملين من الأمم المتحدة في غزّة". فانفجرتُ ضاحكاً، وقلت:

- أحياناً يكون الجواب هنا أمامك.

هناك والطائرة تعلو بنا، رحلتُ عائداً إلى الزمن الذي ذهبتُ فيه إلى القفزة الحرة في الفضاء بالمظلّة في حيفا. وبدت الطائرة على الإسفلت كأنها لم تحلّق منذ حرب 1967، وحين أقلعتْ أصدر محركها ضجيجاً كما لو أنها ستسقط في أية لحظة وهي تهتز بعنف صاعدة في السماء. وعندما حان وقت القفز، فككتُ حزام مقعدي، ووقفتُ مائلاً أنظر عبر الباب المفتوح في مواجهة الريح القوية. ومن دون أدنى تفكير فعلتها، تاركاً ورائي كل شيء، وقفزتُ طائراً في الفضاء. شعرتُ بالخفة، أقلّ ثقلاً مما كان يحدث في الأسفل. شعرتُ أنني بلا هوية، حرٌّ من كل الألقاب والتصنيفات، حرٌّ من العنصرية كلها والتمييز، حرٌّ من الاحتلال الإسرائيلي الذي ولدت فيه.

ولكنني لم أفتح مظلة الهبوط، كنتُ في قفزة حرة مربوطاً بإسرائيلي. ولسنوات طويلة أصبحتُ أرى تلك الوضعية في الفضاء استعارة لما يعنيه أن تكون فلسطينياً يعيش تحت احتلال إسرائيلي. الحياة تحت الاحتلال تشبه واقع الفلسطيني المربوط بإسرائيلي في قفزة واحدة حرّة في الفضاء. هناك إسرائيلي على ظهر كل فلسطيني؛ يتحكم في كل جوانب الحياة: الإسرائيلي هو المسيطر دائماً. وهذا الواقع غير المعقول يضع الشعب الفلسطيني تحت تهديد دائم في حالة رهينة لا نهاية لها أبداً.

على الأرض صارعتُ كآبة باعثة على الشلل، وسنة بعد سنة كنت أغوص إلى أعماق جديدة. ولكنني عرفتُ أن رحلتي ستكون واحدة من رحلات مساءلة الذات والتحرّر. وشعرتُ مع سرعة السقوط بحضور فرنشيسكا. وبمرور السنوات خلقنا عالمنا الخاص المبني على مخيلتنا فقط. وهناك وجدنا حريتنا.


ترجمة عن الإنجليزية محمد الأسعد


دلالات

تعليق: