معركة الرقة تقترب: لاءات متبادلة بين تركيا والأكراد

معركة الرقة تقترب: لاءات متبادلة بين تركيا والأكراد

10 مارس 2017
"سورية الديمقراطية" تتوقع حصار المدينة خلال أسابيع(دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -
تقترب معركة انتزاع مدينة الرقة وريفها المترامي الأطراف من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، مع تكثيف الاستعدادات الأميركية لإطلاقها، إثر تأكيد التحالف الدولي نشر قوات أميركية إضافية لدعم الهجوم على المدينة التي تعد المعقل الأبرز للتنظيم في سورية. وفيما لا تزال تركيا مصرة على المشاركة في هذه المعركة واستبعاد "قوات سورية الديمقراطية" منها، التي تشكّل مليشيا "وحدات حماية الشعب" الكردية عمادها، فإن "سورية الديمقراطية" تتحدث في المقابل عن رفض مشاركة أنقرة في العملية. وفي المقابل، يسعى النظام وحلفاؤه لفرض شراكة من طرف واحد في معركة الرقة من خلال التوغل في ريف حلب الشرقي قبيل الدخول إلى الحدود الإدارية لمحافظة الرقة من الجهة الغربية.
في غضون ذلك، يدفع المدنيون في الرقة وريفها فواتير الويلات المتلاحقة منذ استيلاء التنظيم على المحافظة في بدايات عام 2014، التي اتخذها مقراً وممراً لقواته، وهو ما أدى إلى مقتل وإصابة وتشريد عدد كبير من أبناء الرقة بقصف جوي لم ينقطع من طيران النظام، والتحالف الدولي، والمقاتلات الروسية. وقُتل 18 مدنياً، معظمهم من الأطفال، وأُصيب آخرون، مساء الأربعاء، بقصفٍ جوي شنّته طائرة تابعة للتحالف الدولي على ريف مدينة الرقة. وذكرت حملة "الرقة تُذبح بصمت"، المختصّة بتوثيق الانتهاكات في المحافظة، أنّ "طائرة للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، استهدفت سيارات لنازحين من ريف الرقة الشرقي بالقرب من مطب البوراشد، ما أدى إلى مقتل 18 شخصاً منهم، معظمهم من الأطفال، وإصابة آخرين". وأعادت هذه المجزرة الحديث عن اعتماد التحالف الدولي على إحداثيات أهداف تقدمها "قوات سورية الديمقراطية" التي تُعد ذراعه العسكرية البرية، ليتضح لاحقاً أن المستهدفين مدنيون. وسبق للتحالف الدولي أن ألقى اللوم على "سورية الديمقراطية" في تقديم إحداثيات أهداف من المفترض أنها عسكرية، ولكن بعد تنفيذ ضربات جوية يتضح أنها تسببت في مقتل مدنيين، كما حدث في قرية التوخار، شمال منبج، منتصف العام الماضي. وأكد ناشط إعلامي اختار لنفسه اسم أبو البتول، لا يزال موجوداً في الرقة، أن حالة ترقب المجهول تسود الرقة وريفها، خصوصاً بعد توارد أنباء عن مجازر وانتهاكات جسيمة تُرتكب في مدينة الموصل. وأشار إلى أن الخيارات أمام عشرات آلاف المدنيين في الرقة وريفها محدودة، إذ لا ممرات تمكّنهم من الوصول إلى ملاذات آمنة، موضحاً أن عدداً كبيراً من المدنيين بدأوا يبحثون خيارات النزوح من منازلهم. ولفت إلى أن الخروج من المحافظة محفوف بالمخاطر، مبيناً أنه لم يعد أمام المدنيين إلا المجازفة بالتوجه إلى الساتر الحدودي مع الأردن جنوباً، أو شمالاً حيث المناطق التي تسيطر عليها "قوات سورية الديمقراطية"، مشيراً إلى أن أشخاصاً يمتهنون تهريب المدنيين يطلبون مبالغ خيالية نظير ذلك، مع عدم وجود ضمانات للوصول إلى أماكن آمنة.
وتكتظ الرقة وريفها بالنازحين من مختلف المناطق السورية، آخرهم نازحون من شرقي حلب الذي تتوغل فيه قوات النظام منذ أيام. وتدل المؤشرات على أن الولايات المتحدة على وشك البدء بحملة عسكرية واسعة النطاق لانتزاع السيطرة على مدينة الرقة، اعتماداً على "سورية الديمقراطية"، وبمشاركة مباشرة من قوات أميركية منتشرة في شمال سورية.
وفي مؤشر على اقتراب معركة تحرير الرقة، أكد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، أمس الخميس، نشر قوات أميركية إضافية في سورية لتعجيل هزيمة تنظيم "داعش" في مدينة الرقة. وأوضح المتحدث باسم التحالف، الكولونيل جون دوريان، وهو من سلاح الجو الأميركي، أن القوات الإضافية لن يكون لها دور في الخطوط الأمامية وستعمل مع شركاء محليين في سورية. وقال دوريان لوكالة "رويترز": "نتحدث عن نحو 400 جندي إضافي في الإجمال وسيكونون هناك لفترة مؤقتة". وأضاف أنهم سينضمون إلى 500 جندي أميركي ينتشرون بالفعل في سورية. وكان مسؤول أميركي قال، الأربعاء، إن مجموعة صغيرة من قوات مشاة البحرية دخلت سورية. وأفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأن جنود مشاة البحرية ينتمون إلى قوة برمائية ويعملون على إنشاء موقع للمدفعية لدعم الهجوم على الرقة.
كما أفاد مسؤولون أميركيون لـ"رويترز"، الأربعاء، بأن إدارة ترامب تدرس نشر ما يصل إلى ألف جندي أميركي في الكويت كقوة احتياطية في الحرب على تنظيم "داعش" في سورية والعراق. وقال المسؤولون إن ذلك يتيح للقادة الأميركيين على الأرض قدراً أكبر من المرونة للاستجابة بسرعة للفرص التي قد تسنح فجأة والتحديات التي قد تطرأ في ساحة المعركة.
من جهتها، نقلت وكالة "فرانس برس" عن مسؤول أميركي قوله إن الولايات المتحدة نشرت بطارية مدفعية لمشاة البحرية في سورية دعماً للهجوم على الرقة. وقال المسؤول إن جنوداً من الوحدة 11 لمشاة البحرية نشروا بطارية "هاوتزرز" من عيار 155 ملم في أحد المراكز الأمامية في سورية.


وتأتي هذه التطورات في وقت كان فيه المتحدث باسم الرئيس التركي إبراهيم كالن، يعتبر أن قراراً لم يُتخذ بعد بشأن الجهة التي ستشن العملية العسكرية على المناطق التي يسيطر عليها "داعش" في محافظة الرقة. وقال كالن، في إشارة إلى الاجتماع الثلاثي الذي جرى هذا الأسبوع بين رؤساء أركان جيوش الولايات المتحدة وتركيا وروسيا: "خطتنا واضحة للغاية لكن عملية المفاوضات مستمرة".
لكن مقابل ذلك، فإن "قوات سورية الديمقراطية" أعلنت، أمس الخميس، أنها أبلغت مسؤولين أميركيين بأنه لا يمكن أن يكون لتركيا دور في الحملة لاستعادة مدينة الرقة. وقال طلال سيلو، المتحدث باسم هذه القوات: "الطرف التركي هو طرف محتل لا يمكن السماح له باحتلال المزيد من الأراضي السورية". وذكر أن "قوات سورية الديمقراطية" سلمت رسالة بذلك إلى اجتماع مع السيناتور الأميركي جون ماكين ومسؤولين عسكريين في شمال سورية الشهر الماضي. وأعلن أن هذه القوات ستصل إلى مشارف الرقة في غضون أسابيع بعد أن قطعت آخر طريق رئيسي إلى المدينة هذا الأسبوع. وقال "نتوقع خلال عدة أسابيع أن يكون هناك حصار للمدينة".
وقطعت "قوات سورية الديمقراطية" منذ أيام الطريق الذي يصل بين ريف الرقة الشرقي ودير الزور، شمال نهر الفرات، إلا أن ذلك لا يعد تطوراً عسكرياً مهماً، خصوصاً أن التنظيم لا يعتمد على هذا الطريق في تنقلات مقاتليه بين المحافظتين. ولا تزال هذه القوات بعيدة نسبياً عن مدينة الرقة شمالاً، إذ تفصلها عن المدينة مسافة نحو 20 كيلومتراً تضم العشرات من القرى.
ولا يزال "داعش" يتحكم بالطريق الدولي الذي يربط حلب بدير الزور مروراً بالطرف الجنوبي من الرقة، ويقع إلى جنوب نهر الفرات، والسيطرة عليه تتطلب عبور النهر. ودمّر طيران التحالف الدولي كل الجسور المقامة على نهر الفرات، وبات العبور إلى الضفة الجنوبية للنهر يتطلب السيطرة على سدي الفرات و"البعث"، وهذا يفوق قدرة "سورية الديمقراطية" في الوقت الراهن، وفق محللين، يرون أن الرقة مقبلة على معركة ضارية في حال قرر التنظيم الدفاع عنها، وعدم الانسحاب شرقاً إلى دير الزور لتفادي حصاره.
وذكرت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، أن الطرف الأميركي يبحث إدخال ما يُسمّى بـ"قوات بشمركة سورية"، المتمركزة على الحدود السورية العراقية، في معركة انتزاع السيطرة على الرقة، وتالياً دير الزور. وتضم هذه القوات أكراداً سوريين قامت قوات البشمركة في إقليم شمال العراق بتدريبهم على مدى سنوات، إلا أن مليشيات الوحدات الكردية منعتهم من دخول محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد، بسبب تباين الرؤى بينهما، إذ تتبع "بشمركة سورية" للمجلس الوطني الكردي المدعوم من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني.
في موازاة ذلك، يسعى النظام وحليفاه روسيا وإيران، لفرض شراكة مباشرة مع التحالف الدولي في معركة انتزاع الرقة من تنظيم "داعش" من خلال التوغّل أكثر في ريف حلب الشرقي، ومن ثم دخول الحدود الإدارية لمحافظة الرقة. وبعد سيطرة قوات النظام ومليشيات إيرانية على بلدة الخفسة ومحيطها، بقيت لتنظيم "داعش" ثلاثة مراكز هامة في ريف حلب الشرقي، هي: مدينتا دير حافر، ومسكنة، وبلدة المهدوم، ومن المتوقع أن تتجه قوات النظام لانتزاعها من التنظيم، خصوصاً بعد تأمين خاصرة هذه القوات الشمالية من قبل "قوات سورية الديمقراطية"، والقوات الأميركية في منبج. وفي حال سيطرة النظام على مسكنة التي تقع إلى الشرق بنحو 5 كيلومترات من قرية دبسي فرج، وهي أول قرية تتبع إدارياً لمحافظة الرقة، تتصل قواته مع قوات أخرى تتبع له في قرية أثريا، في قلب البادية الشامية، ليبدأ تحركاً من محورين باتجاه مدينة الطبقة (50 كيلومتراً غربي الرقة) والتي تضم سد الفرات، وتتمركز "سورية الديمقراطية" إلى الشمال منه بعدة كيلومترات، وهو من الأهداف الاستراتيجية التي تسعى أطراف الصراع للسيطرة عليه.