معاناة المهاجرات في إيطاليا... فشل قانوني يفاقم العنف ضد النساء

روما
عبد المجيد الفرجي
06 يوليو 2020

اضطرت الثلاثينية المغربية مليكة الرامي، إلى مغادرة إيطاليا بعد معاناتها من العنف المنزلي لمدة 9 أعوام رغم توقيف زوجها أكثر من مرة وطلاقها منه، غير أنه عاود الكرة أكثر من مرة بعد إنهاء مدة عقوبته، ما جعل مليكة تتساءل عن جدوى العقوبات الواردة في قانون محاربة العنف ضد النساء والصادر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2013، كون القانون لم يردع طليقها عن تعنيفها؟.

تساؤل مليكة تجيب عنه الناشطة الحقوقية الإيطالية من أصل مغربي سعاد النهيري رئيسة جمعية شمس (تعنى بحقوق النساء المهاجرات) قائلة: "الظاهرة متفشية والقانون وحده لا يكفي لمواجهة العنف ضد النساء، وفي حالة معينة يحتاج الأمر إلى عقوبات أكثر تشددا، حتى لا تتحقق حالة العود، كما حدث مع مليكة".

حالة الرامي ليست فردية إذ إن عدد النساء اللواتي يتعرضن لسوء معاملة ولا يبلغن الشرطة يصل إلى 37% بين المهاجرات، و35% من الإيطاليات وفق ما وثقه تقرير صادر عن وزارة الداخلية الإيطالية في يونيو/حزيران من عام 2019، وتلته انتقادات أصدرها فريق خبراء تابع للمجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة، والذي شدد في تقريره الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي، على أهمية اتخاذ المزيد من التدابير لحماية النساء من العنف الممارس بحقهن، خاصة أن 13.6% من النساء واجهن عنفا من شريك أو شريك سابق طبقا لمكتب الإحصاءات العامة.

الصورة
تحقيق إيطاليا 2

 

كيف فشل قانون 2013 في الحد من العنف؟

حدد الفصل الأول من قانون محاربة العنف ضد النساء رقم  242، القواعد المتعلقة بسوء المعاملة والعنف الجنسي وأعمال الاضطهاد، وكذلك الفصل الجديد رقم 572، في القانون الجنائي الإيطالي، الخاص بالجرائم ضد الأسرة، والذي ينص على أن "أي شخص يسيء إلى أحد أفراد الأسرة، أو الإساءة لشخص يخضع لسلطته أو يعهد إليه لأسباب تتعلق بالتعليم أو الرعاية أو الإشراف أو الحضانة، أو لممارسة مهنة أو فن، يعاقب بالسجن من 3 إلى 7 سنوات. وإذا كانت هناك إصابة شخصية خطيرة ناتجة عن الواقعة الجرمية، يتم تطبيق عقوبة السجن من 4 إلى 9 سنوات. وإذا كان هناك إصابة خطيرة للغاية، يتم تطبيق عقوبة السجن من 7 إلى 15 سنة. وفي حالة الإصابة التي تنتج عنها حالة وفاة، تكون العقوبة السجن من 12 سنة إلى 24 سنة".

المهاجرات يخضعن للعنف خوفاً من فقدان الإقامة أو عرقلة طلب الجنسية 

ويمنح القاضي، المرأة المهاجرة في الفصل الرابع من قانون 2013، (بعد التحقق من العنف الممارس عليها سواء كان جسديا أو نفسيا أو اقتصاديا)، إذنا بالإقامة في بيت مخصص للهاربات من العنف المنزلي، كما تم إلغاء شرط وجود عمل لضحية العنف أو رابط عائلي مع المتهم، من أجل الحصول على الإذن بالإقامة بعد أن تكون الشرطة قد أثبتت تعنيفها.

لكن المحامية الإيطالية سيلفيا سينوبولي نائبة رئيس مركز الاستماع "إيما" (مناهض للعنف ضد النساء) تقول: "لا يمكن بواسطة هذا القانون فقط، الحد من جرائم القتل والعنف ضد النساء"، إذ إن القانون فشل في الحد من العنف ضد النساء، وهو أمر راجع إلى بنية المجتمع الذكورية التي تجعل من المرأة حلقة أضعف، رغم مظهر الحياة الغربية والمعاصرة، ما يعكس  مشكلة ثقافية، وتربوية بالدرجة الأولى، كما تقول لـ"العربي الجديد".

ومن الأسباب المشجعة للعنف ضد النساء، قبل وبعد صدور قانون 2013، استمرار النظرة الدونية للرجل تجاه المرأة في المجتمع الإيطالي، بحسب ما تقوله المحامية الإيطالية مضيفة: "صعود اليمين المتطرف في منتصف عام 2018، ساهم في تأجيج مناخ مجتمعي، يحرض على العنف أكثر بسبب نزعة الكراهية ضد الآخر ومن بينهم النساء المهاجرات كما أن المشكل بنيوي، وتتحمل فيه الأسرة، والإعلام والمدرسة الشق الأهم من المسؤولية".

المهاجرات الأكثر معاناة

بلغت نسبة ضحايا العنف من الإناث المهاجرات في إيطاليا 23.2 % في عام 2018، وهو الحال ذاته في عام 2017، ما يجعل من مؤشرات الخطر بحقهن أعلى بثلاثة أضعاف من النساء الإيطاليات، وفقًا لنتائج قاعدة بيانات Eures (البحوث الاقتصادية والاجتماعية) الصادرة عن معهد البحث العلمي الاقتصادي والاجتماعي (مؤسسة علمية خاصة، تعنى برصد المعطيات، وإحصائها وتحليلها).

ومباشرة عقب صدور قانون 2013، بلغت نسبة المهاجرات اللائي تعرضن للعنف البدني أو الجنسي، 31.3% في مقابل 31.5% من النساء الإيطاليات وفق تقرير "عدد الضحايا وشكل العنف" الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء (إسطاطي) التابع للحكومة الإيطالية في العام 2014.

ويعد العنف البدني أكثر شيوعًا بين النساء المهاجرات بنسبة 25.7% مقابل 19.6% من الإيطاليات. والعنف الجنسي أكثر شيوعًا بين النساء المهاجرات مقارنة مع الإيطاليات بنسبة 21.5% في  مقابل 16.2% وفقا لذات التقرير، الذي أكد أن الأجنبيات أكثر عرضة للاغتصاب ومحاولات الاغتصاب بنسبة 7.7% مقابل 5.1% من النساء الإيطاليات.

ويبين التقرير ذاته أن النساء الأجنبيات، يعانين بشكل رئيسي من العنف الجسدي أو الجنسي من الشركاء أو الشركاء السابقين بنسبة 20.4% في مقابل 12.9% من النساء الإيطاليات، وبنسبة 18.2% مقابل 25.3% من الرجال الآخرين.

الصورة
تحقيق إيطاليا 3

 

الخوف من فقدان أوراق الإقامة

أقنعت الناشطة الحقوقية سعاد النهيري رئيسة جمعية شمس، 11 امرأة عربية فقط بأهمية إبلاغ الشرطة بوقائع العنف ضدهن بمساعدة جمعيتها بينهن مليكة كما تقول، مضيفة أنها تجد صعوبة في إقناع العديد من النساء المهاجرات من أصول عربية، نتيجة أسباب ثقافية أهمها فكرة الحفاظ على عش الزوجية على حساب كرامة المرأة المعنفة وصحتها الجسدية والنفسية هي وأطفالها، ومن بين هؤلاء المغربية سناء الطاهيري (38 عاما) والتي فضلت الصبر على العنف الجسدي واللفظي أمام أبنائها، نتيجة حرصها على عدم تشتيت بيت الزوجية وفق تأكيدها لـ"العربي الجديد"، قائلة:" لم أجرؤ على زيارة المصالح الأمنية للإبلاغ عنه، حتى جاء الفرج، فكان الطلاق رحمة"، لكن تلك التداعيات تؤدي إلى استمرار وتزايد العنف ضد النساء بحسب المحامية سينوبولي، والتي تؤكد أن المهاجرات هن الحلقة الأضعف في المجتمع بسبب الاعتقاد بأن التبليغ عن العنف المنزلي، والدخول في دوامة المحاكم سيجر على المهاجرة المعنفة لعنة فقدان أوراق الإقامة، خاصة إذا كان الزوج المُعنِف هو الذي يملك زمام منح ضمانة الإقامة في المنزل، أو يتوفر على الجنسية التي من شأنها أن تعمل على تسوية الوضعية القانونية للزوجة المهاجرة بسرعة إذا كانت حديثة العهد بالمهجر، مشيرة إلى نوع من المقايضة يجري أحيانا حينما تصبر المرأة المهاجرة على العنف بغية تسوية وضعيتها القانونية بضمانة من زوجها والحصول على الجنسية. وهو ما جعلها تحمّل المرأة سبب فشل هذا القانون في الحد من العنف بين المهاجرات، بسبب الصمت على معاناتهن ما يؤدي إلى ضياع حقوقهن.

وتضيف سينوبولي، إن للسلطات المسؤولة دورا في تطبيق القانون من خلال التنسيق الدائم بين المصالح الأمنية، القضائية والطبية بشقيها النفسي والجسدي، عبر بروتوكول العمل "كودا روزا"، مضيفة أن تفعيله جاء بفضل عمل مشترك بين شبكة من الجمعيات النسائية ومراكز الاستماع، والمسعفين المتطوعين، وأي سيدة يمكنها فتح شباك مشترك لـ"الأمني، والقضائي والطبي"، تحت مسمى العنف ضد النساء من خلال الاتصال على رقم كودا روزا 1522، لكنها تعود للقول إن تدخل السلطات المسؤولة للحد من العنف ضد المهاجرات، ليس سهلا بالنظر إلى البنية المحافظة لكثير من الأسر المهاجرة القادمة من أوروبا الشرقية أو شمال إفريقيا، إذ إن مسألة التدخل تتوقف على تبليغ المعني بالضرر أي المهاجرات، وهذا الأمر لا يحدث دائما.
ويعد الكود الوردي إحدى الآليات الوقائية التي ينتهجها إقليم بييمونتي

صعود اليمين المتطرف أجج مناخ العنف في إيطاليا

الواقع شمالي إيطاليا كنموذج  في حماية النساء المعنفات، إذ يتم التنسيق بين مجموعة من الشركاء الذين تم تدريبهم للعمل في مجال العنف ضد النساء، ضمنهم "الشرطة الوطنية، البلدية، القضاء المحلي، وقطاع الصحة المحلي"، وتكون مهمتهم المصاحبة النفسية والصحية، والرعاية الاجتماعية للنساء المعنفات في مراكز الإيواء، بحسب ما أوضحه لـ"العربي الجديد" ماريو لوكاباريونا منسق برنامج تكوين الأطر المسعفة للنساء المعنفات في بييمونتي.

ويخلف العنف آثارا جسدية ونفسية غير محمودة، وله انعكاس على المرأة التي تفقد الثقة بنفسها، وينتابها الخوف من الآخر، وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع، فضلا عن انتقال عدوى الخوف من الأم إلى الأبناء بحسب النهيري وهو ما تتفق معه مونيكا تشيروتي القيادية السياسية في حزب إيطاليا المشتركة، ونائبة رئيس جهة بييمونتني (خلال الولاية المنتهية منتصف العام الماضي) المكلفة بالهجرة وحقوق الإنسان، والتي تضيف أن الميزة التي تتمتع بها النساء في الكود الوردي/ الوقائي "كوديتشي روزا" مهمة للغاية، إذ يمكنهن الحصول على علاج مجاني، بما في ذلك الدعم النفسي. وتضيف أن السياسة الإيطالية  أبدت حساسية أكبر لهذه القضية، رغم أنها ليست كافية بعد. لكن يجب أن تكون الوقاية من بين أولويات جدول أعمال السياسيين، وهو أمر لم يحدث بعد"، مرجعة أحد أسباب تفشي العنف، إلى اجتياح اليمين للسياسة الإيطالية نظرا لكونه لا يضع قضايا الجندر، ضمن أولوياته.

ذات صلة

الصورة

مجتمع

أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية، في بيان، أمس الأربعاء، أنّ الأزمة الصحية والاقتصادية المرتبطة بفيروس كورونا، "تولّد تدفقاً استثنائيّاً للمهاجرين الاقتصاديين". ويصل عدد كبير من هؤلاء المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوسا السياحية، تحت أنظار السبّاحين.
الصورة
فيلم نومادلايف IMDB

منوعات وميديا

تستضيف مدينة البندقية الإيطالية، أكثر من 50 دولة في ما سيصبح أول مهرجان سينمائي كبير ينظم بحضور فعلي في زمن كوفيد-19، المرض الناتج عن الإصابة بالفيروس. وسيبدأ المهرجان في الثاني من سبتمبر/ أيلول، ويستمر حتى 12 من الشهر نفسه.
الصورة
تظاهرة للزواج في إيطاليا (باريس سيخين/ الأناضول)

مجتمع

بعد كلّ ما شهدته إيطاليا من جراء تفشي فيروس كورونا الجديد، والقيود التي فرضت على البلاد لمكافحة تفشيه، ترفض بعض الفتيات المقبلات على الزواج في البلاد الرضوخ للإجراءات التي تؤثّر على تحقيق أحلامهن
الصورة
ليبيا-موكاحيت أيديمير/الأناضول

سياسة

دعت باريس وروما وبرلين في بيان مشترك، مساء أمس الخميس، إلى إنهاء "كل التدخلات" الأجنبية في ليبيا، وحضّت الأطراف الليبيين على "إنهاء المعارك فوراً وبلا شروط".