مصر: حجبٌ ممنهج أصبح عشوائياً

17 مايو 2019
الصورة
أكثر من خمسمئة موقع محجوب في مصر (Getty)
+ الخط -
قبل يومين، أعلن موقع إلكتروني اسمه "إيجي بست" كان يعرض أفلاماً ومسلسلات أجنبية ومصرية (مقرصنة)، أنه تم إغلاقه. حملت الصفحة الرئيسية للموقع كلمة واحدة، تختصر، بحسب ما كتب مصريّون تعليقاتٍ بعدها، حال الحريات الحزين في بلادهم: "النهاية". 
عبر صفحة الموقع على "فيسبوك"، جاءت كلمات مقتضبة لتفسر الأمر "تم إغلاق موقع إيجي بست، وليس من المستبعد إغلاق العديد من المواقع الأخرى، وذلك بعلّة أن بعض الشركات التابعة لمؤسسات حكومية مصرية أطلقت منصة إلكترونية وأرادت أن تستحوذ على سوق المشاهدات الإلكترونية في مصر وحتى على كامل العالم العربي، حيث هددوا أصحاب المواقع وتم إجبارهم على إغلاق مواقعهم، إنها الرأسمالية الجشعة يا سادة".

ومساء الثلاثاء أيضاً، نشرت صفحة جريدة "التحرير" المصرية الخاصة بياناً على "فيسبوك" أعلنت فيه تعرضها لما يشبه الحجب. قالت الجريدة إنّها فوجئت بتعطل الموقع يوم 9 مايو/ أيار الجاري لدى عدد من المستخدمين والعاملين بالمؤسسة، لافتةً إلى أنها تواصلت مع الشركة المستضيفة لخوادم الموقع، والتي أكدت سلامة الموقع وأنه يعمل بكفاءة في كافة دول العالم ويواجه بطئاً ومشاكل فنيّة داخل مصر.

أشارت "التحرير" إلى أنها تواصلت مع "المجلس الأعلى للإعلام" باعتباره الجهة المسؤولة عن عمل المؤسسات الصحافية، والتي أكدت أنه لم يصدر أي قرار منها يخص عمل الموقع. وأكدت الجريدة أن نقيب الصحافيين تواصل مع كافة الجهات المعنية والتي أكدت أنه لا توجد أزمة مع موقع التحرير. كما لفتت المؤسسة إلى أنها تواصلت حالياً مع كل من وزارة الاتصالات والمجلس القومي للاتصالات بهذا الشأن، باعتبارهما الجهتين المسؤولتين عن الإنترنت في مصر، وهي في انتظار ردهما بهذا الشأن.

القائمة تطول
لا يطاول ذلك هذين الموقعين فحسب. فقد فوجئ متصفّحو مواقع إخبارية مصريّة، مثل "مصراوي" و"التحرير" و"المصري اليوم" و"فيتو" (القائمة قد تشمل المزيد) بصعوبة الولوج لها، منذ مساء الخميس الماضي. لكنّ بعض المواقع عادت للعمل بصورة طبيعيّة، بينما بقي البعض الآخر مشوشاً أو شبه محجوب.
بدا الأمر مستغربًا في البداية، مع المحاولات المتكررة لعلاج تلك الأزمة التقنية داخل المؤسسات، حتى اكتشف القائمون عليها والعاملون فيها أن تعطيل المواقع نابعٌ من الخارج، ويقف خلفه "الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات".


احتكار المُشاهد
"حجب غير تام"، هذا ما قاله حينها أحد المسؤولين في موقع "التحرير"، بشأن ما حدث مع الموقع، بمعنى "الموقع أصبح ثقيلا"، مؤكدًا أن إدارة الموقع تواصلت مع نقيب الصحافيين، ضياء رشوان، الذي وعد بالتدخل ومعرفة الأسباب. لكن مصدراً آخر أكد لـ"العربي الجديد" أنّ الأمر له علاقة بمسلسلات رمضان، وفسّر قائلاً "تلك المواقع نشرت روابط لمسلسلات رمضان ضمن تغطيتها الصحافية للأعمال الدرامية، ما أغضب شركة "إعلام المصريين" التي تستحوذ على أغلب الإنتاج الدرامي هذا العام والتي قررت عدم نشر مسلسلاتها على "يوتيوب" وطرحتها فقط من خلال تطبيق مدفوع الأجر".
وكانت شركة "إعلام المصريين" قد أصدرت تطبيقاً خاصاً بها يحمل اسم "!Watch IT" عبر "غوغل بلاي" و"آي أو إس" لعرض مسلسلاتها عليه، كما يضم أقساماً مختلفة، للمسلسلات والبرامج والأفلام والرياضة. وأطلق "ووتش إت" بهدف احتكار دراما رمضان على المنصات الإلكترونية نظير مقابل مادي. وهو متاح بشكل مجاني لأول أسبوع فقط، وبعد ذلك تصل قيمة الاشتراك إلى 99 جنيهاً شهريًا و555 جنيها لمدة 6 أشهر، و999 جنيهاً في العام (الدولار يساوي حوالى 18 جنيهاً). وتمّت قرصنة التطبيق من قبل هواة بعد يومٍ من إطلاقه، ما أدّى إلى خروجه عن العمل، ما أثار سخرية واسعة مع بداية الموسم الرمضاني.
ويرأس مجلس إدارة شركة "إعلام المصريين" تامر مرسي، وهي تابعة لشركة "إيغل كابيتال" للاستثمارات المالية، وتتبع جهاز المخابرات المصري. تعد المجموعة أكبر تكتل إعلامي في مصر بين عامي 2016 و2018، وتمتلك شبكتين تلفزيونيتين، وخمسة منافذ مطبوعة ونسخها الرقمية، ومنصة فيديو، وسبع شركات في قطاع الإعلانات والتسويق. وتندرج تحتها شركة "سيرنجي" التي تمتلك أغلب شبكات القنوات الفضائية المصرية مثل ON وdmc وCBC و"الحياة"، إضافةً إلى مواقع إلكترونية وصحف ومحطات إذاعية. وأنتجت شركة "سينرجي" هذا العام 15 مسلسلاً من أصل 24 عملًا دراميًا في الموسم الرمضاني، هي: "لمس أكتاف"، "بدل الحدوتة 3"، "بركة"، "حكايتي"، "علامة استفهام"، "طلقة حظ"، "كلبش 3"، "قمر هادي"، "أبو جبل"، "زلزال"، "الواد سيد الشحات"، "ابن أصول"، "البرنسيسة بيسة"، "لآخر نفس" و"هوجان".



مئات المواقع والنطاقات
يتوسّع حجب المواقع الإلكترونيّة في مصر ليشمل، شيئاً فشيئاً، الجميع. في تقرير حديث لها، أكدت "مؤسسة حرية الفكر والتعبير" (منظمة مجتمع مدني مصرية) أنّ آلاف المواقع تُحجب عشوائيًا في مصر. وكشف أن حجب موقع حملة "باطل" تسبب في حجب 26175 نطاقًا. وقال التقرير "يُرجَّح أن تكون جميع المواقع المشتركة في عنوان آي.بي. 104.198.14.52 محجوبة في مصر "26175 نطاقًا بما فيها مواقع حملة باطل".
وبدأت حملة "باطل" بالإعلان عن موقعها عبر صفحتها على "فيسبوك" وحسابها على "تويتر" في 8 إبريل/ نيسان. استخدمت الحملة النطاق (voiceonline.net) لموقعها الداعي إلى جمع توقيعات من مواطنين ضد التعديلات الدستورية. وفي اليوم التالي (9 إبريل/ نيسان الماضي) حُجب موقع الحملة بعد أن أعلنت عن جمع 60 ألف توقيع رافض لتعديل الدستور. وحُجب الموقع بعد 13 ساعة فقط من إطلاقه.
كما كشف التقرير عن حجب 261 موقعًا بسبب حجب موقع "فكر تاني". وقالت المؤسسة "يُرجَّح أن تكون جميع المواقع المشتركة في عنوان آي.بي. 188.121.43.37 محجوبة في مصر "262 نطاقًا بما فيها موقع فكر تاني". ما توصل التقرير أيضًا إلى حجب 125 موقعًا بسبب حجب موقع "إيجبت دايلي نيوز"، وقالت "يُرجَّح أن تكون جميع المواقع المشتركة في عنوان آي.بي. 216.97.237.25 محجوبة في مصر (125 نطاقًا بما فيها موقع Egypt Daily News)".
كما توصلت المؤسسة إلى حجب 44 موقعًا بسبب حجب موقع "المرصد العربي لحرية الإعلام". وقالت "يُرجَّح أن تكون جميع المواقع المشتركة في عنوان آي.بي. 108.179.242.132 محجوبة في مصر "40 نطاقًا بما فيها 3 نطاقات تابعة لموقع المرصد العربي لحرية الإعلام".
أما عن حجب موقع "العربي الجديد،" فقالت "يُرجَّح أن تكون جميع المواقع المشتركة في عنوان آي.بي. 152.195.32.173 محجوبة في مصر (10 نطاقات بما فيها موقع العربي الجديد)". وكانت البداية الحقيقية للحجب في البلاد قد بدأت مع حجب "العربي الجديد" في ديسمبر/ كانون الأول 2015، والذي لا يزال محجوبًا في مصر إلى اليوم. وقد استشرت عدوى حجب المواقع في مصر في 24 مايو/ أيار 2017، عندما أقدمت السلطات المصرية على حجب 21 موقعًا إلكترونيًا، كانت أغلبها إخبارية. لاحقًا، توسعت السلطات في حجب مواقع لتشمل عددًا ضخمًا من التي تقدم محتوى وخدمات مختلفة، حتى وصل عدد المواقع التي تعرضت للحجب إلى 513 موقعًا على الأقل حتى تاريخ كتابة تلك السطور، حسب تقارير حقوقية.

المساهمون