مصر.. الدولة تحارب الإرهاب باعتقال السلميين

07 يونيو 2015
الصورة
إسراء الطويل

ربما كانت دعوة عبد الفتاح السيسي المصريين "الشرفاء الأمناء" بالنزول في 26 يوليو/تموز 2013 -(ينزلوا ليه؟ هكذا قال الرجل في خطابه، مستدركا، عشان يدّوني تفويض وأمر عشان أواجه الإرهاب المحتمل؛ لو تم اللجوء للعنف والإرهاب يفوض الجيش والشرطة لمجابهة هذا الإرهاب المحتمل)- بمثابة تأمين شخصي للرجل ضد مؤسسات عائدة بقوة، أو مراكز قوى اختلط فيها النظام المباركي القديم بالمؤسسات الأمنية، بمراكز القوى ما بعد 3 يوليو/تموز 2013، ولكن في الحقيقة وبعد عامين من هذه الدعوة فإن الإرهاب المحتمل صار حقيقة، امتدت رقعته ولم تنحسر، ومن تتأكد الدولة أنه يمارس الإرهاب مثل أنصار بيت المقدس في سيناء، لم تطاولهم هذه المجابهة بل إن سيناء -حسب كثير من خبراء الشأن السيناوي- في أسوأ حال، وتكاد تكون خارج سيطرة الدولة، والذين طاولتهم المجابهة هم المدنيون، من سكان سيناء سواء بالتهجير القسري أو ما نالهم من قصف بيوتهم بالطيران العسكري، وفي الدلتا انطلقت يد المؤسسات الأمنية العائدة لتنتقم، فاعتقلت طلابا أو حقوقيين أو أعضاء في حراك سلمي مثل 6 إبريل أو الاشتراكيين الثوريين فماذا جنى المصريون من تفويض من ظنوا أنه المخلص سوى وضع أسوأ مما كان؟!

(2)

بعد عامين من دعوة السيسي المذكورة آنفا، رصد مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب في شهر مايو/أيار 2015 وحده؛ 23 حالة وفاة أغلبها لمحتجزين، و49 حالة تعذيب، و19 حالة اختفاء قسري (اختطاف من جهات الأمن وعدم الإعلان عن مكانهم بالمخالفة للدستور)، 3 حالات اتُخذوا رهائن للضغط على أقاربهم لتسليم أنفسهم.

في السياق نفسه، رصد مركز عدالة للحقوق والحريات في شهر مايو/أيار أيضا القبض التعسفي على 116 طالبا، 25 حالة اختفاء قسري للطلاب، منهم الطالب أحمد غنيم الذي اختفى قسريا 28 يوما، الطالب إسلام عطيتو طالب هندسة عين شمس الذي تمت تصفيته وفق بيان للداخلية بعد اختطافه، بالإضافة لحالات الفصل والمحاكمات العسكرية.

في أول يونيو/حزيران اختفى ثلاثة شباب، هم إسراء الطويل، وصهيب سعد، وعمر محمد علي، كان الثلاثة يتنزهون، وتم القبض عليهم في كمين، ثم اختفوا لوجود كاميرا مع أحدهم، ولم يتم الاطلاع على جديد بخصوصهم، كذلك الناشطة داليا رضوان التي اختفت منذ الأول من يونيو/حزيران الجارى، بعد أن تم القبض عليها من منزلها، ثم تم الإفراج عنها قبل يومين، وكذلك الناشط محمود الباشا الذي تم الإفراج عنه بكفالة.

في الحقيقة كل هذه الانتهاكات والجرائم تمت من قِبل الدولة تجاه مدنيين عُزل، وليس ضد إرهابيين تواجههم أو تجابههم، إلا أن تكون الدولة تواجه إرهابا يظهر في طالب يؤدي امتحانه أو ناشط يدافع عن الحقوق والحريات أو شابة تبلغ الثالثة والعشرين من عمرها، تمشي بصعوبة، بعدما تعرضت لإصابة حين خرجت مع أصدقائها وقرروا (يشموا هوا) في دولة مثل مصر تواجه الإرهاب.

(3)

في الدراسة المهمة "Provoking a Civil War" التي تتناول تحول المجتمعات نحو الحروب الأهلية وعلاقة ازدياد القمع بإثارة الحروب الأهلية، والتي قام بها الباحثان لورنزو روكو، وزي بالو، تقدم الدراسة عرضا مهما، عن الحالات التي يكون فيها من مصلحة النظام الحاكم إثارة حرب أهلية، لضمان بقائه واستمراره، أو اتخاذ عدو ليبرر معدلات القمع التي تطاول الجميع، والتي تظهر في واقعنا بمسميات شبيهة مثل (الدولة تحارب الإرهاب) أو (إسقاط الدولة) أو (التكفيريين ومحاولة تقسيم البلاد) أو (الفوضى الخلاقة) كلها أشياء يثيرها الحاكم وأدواته الإعلامية لتبرير معدلات القمع، وكما ظهر في زيارة السيسي الأخيرة لألمانيا ومدى التضخيم من قضية مواجهة الإرهاب والتغاضي عن الانتهاكات التي جرت في حق المدنيين والمواطنين.

جربت الأنظمة قبل وأثناء الربيع العربي هذه اللعبة، المتمثلة في استغلال عمليات عنف في تأمين ذاتها وتبرير القمع والبطش بالسلميين، فعل ذلك بشار الأسد خلال الثورة السورية وكما تشير التقارير فهو أفرج عما يقارب ألف جهادي من معتقلاته، بهدف استغلال عمليات العنف وتبرير القمع الذي سيلحق السلميين والمدنيين قبل المسلحين أو التكفيريين، وكذلك فعل علي عبدالله صالح كما يبدو في اليمن، قبل وأثناء الثورة، كما جاء في الوثائقي "مخبر القاعدة"، وهذا ما فعله المالكي في العراق؛ ولكن ما الذي جناه هؤلاء؛ فالبلاد التي كانت وحدة واحدة قُسمت، والناس قُتلت، وهم تبدد سلطانهم، فما الذي يريده الذين يحكمون مصر الآن بالقمع والبطش بالسلميين؟

(4)

ظهرت خلافات كبيرة، في الأيام الماضية، بين قطاعات الإخوان المسلمين، وبدا أن هناك خلافا حول قيادة الجماعة أو بين تيارين من الأفكار والآراء والأعمار، ومن دون الخوض في هذا الخلاف، فإن خلاصته أن تيار الإخوان التقليدي بدا قلقا من توجه الجماعة وإدارتها الحالية للمرحلة، التي اتسمت بالعنف أو بالأعمال التصعيدية النوعية، في حين أن هذا التيار يدعو إلى ما يمكن تسميته بالسلمية الصبورة، وهي عدم اللجوء إلى العنف، وظهر هذا الخلاف بشكل بدا واضحا في مقال للدكتور محمود غزلان يدافع عن السلمية، وتصريحات المتحدث الحالي محمد منتصر حول التصعيد والعمل النوعي، وأخيرا مقال أمير بسام القيادي في الإخوان.

كل هذا يمكن تفهمه في إطار التحولات التي تلحق بالإخوان منذ الثورة وحتى الآن، إلا أن الدولة والتي بدت سعيدة بالخلاف الذي يُضعف خصمها الوحيد، تدخلت في النهاية لتحسم مَن الخصم الذي تريد مواجهته؟ وقامت باعتقال كل من محمود غزلان وعبد الرحمن البر وعبد العظيم الشرقاوي، الذين يمثلون بشكل كبير التيار الداعي للسلمية وعدم اللجوء للعنف.

ما الذي تكسبه الدولة من أن تتحول جماعة بحجم الإخوان عددا واتساعا إلى العنف والإرهاب؟ ولماذا تدخلت في هذا التوقيت بالذات للقبض على هذه القيادات؟! أسئلة كثيرة لا يفسرها إلا أن الدولة تجد أن خصمها الأسهل في ظل هذا الفشل الذي يعتري أغلب تحركاتها وتفاعلاتها هو التيار المسلح والعنيف، ولا شك في أن هذا ليس في صالح النظام القائم، ولا الدولة التي ما زالت قائمة.

(5)

السؤال البائس الذي نتداوله يوميا، بطريقة ممتلئة بالقهر والعجز "أصحابنا فين؟!"، وفي ظل دولة تعمل مؤسساتها الأمنية بطريقة أقرب إلى العصابات منها إلى الدولة التي تحترم القانون، فإن مسؤولية ما يجري تقع على الذين يقومون بالحكم ويديرون شؤون البلاد لتجنيب البلاد هذا المستقبل المظلم.

إن الدولة التي تمارس الإرهاب أشد خطرا من الجماعات الإرهابية المسلحة، والاستبداد الذي يزهق الأرواح ويستهين بالحقوق والحريات هو أشد خطرا من الفوضى، ودائرة الثأر والثأر المضاد لن تهدأ مادام مَن يحكمنا يطلق يد الأمن تعبث بالأرواح والناس كيف تشاء.

حالة الاستهانة بالحريات والأرواح التي تغطي مصر اليوم، يجب أن تتوقف لأن العنف إذا امتد لشرائح شبابية يائسة، لن يتحول إلى عنف محدود، كما جرى في التسعينيات تسيطر عليه الدولة بعد حين، ولن يطاول بعضاً دون آخر، ولكنه سيكون بركانا حقيقيا يعصف بالجميع.

(6)

يلخص الشاعر أحمد فؤاد نجم، المشهد قائلا: يا حبيبتي أنا قلبي عاشق.. واسمحيلي بكلمتين.. كلمتين يا مصر يمكن.. هما آخر كلمتين.. حد ضامن يمشي آمن.. أو مآمن يمشي فين

---------
اقرأ أيضا :
منظرو الجماعات الإسلامية..من حروب البرغوث إلى إدارة التوحش
زيارة لإيران فجرت أزمة قيادة "الإخوان" الأخيرة

تعليق: