مسلسل إقالات في إدارة ترامب: أزمة حكم في واشنطن

11 ديسمبر 2018
الصورة
كيلي آخر المغادرين من إدارة ترامب (براندون سميالوفسكي/فرانس برس)
لم يتوقف مسلسل التغيير في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأحياناً الطرد منها، منذ إقالة مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي الجنرال مايكل فلين، بعد ثلاثة أسابيع من تدشين ترامب لرئاسته، ليصبح السؤال الذي يتردد في واشنطن مع كل تغريدة للرئيس وفي كل يوم، من هو المسؤول التالي الذي سيستقيل أو يُقال، بعدما طاول هذا المسلسل مسؤولين كباراً مثل وزيري الخارجية والعدل؟

آخر حلقة كانت من نصيب كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي. هذه الخطوة كانت متوقعة، فكيلي طفح كيله وترامب لم يعد يطيقه، ووصلت العلاقة بينهما في الفترة الأخيرة إلى حدّ القطيعة الشخصية. فكان أن اقتضت إقالته بصورة تحفظ ماء الوجه، ليترك منصبه آخر الشهر الحالي. وبمغادرته يكون ترامب قد ضرب الرقم القياسي بين الرؤساء في التخلي عن معظم أركان إدارته وكبار معاونيه، قبل انتهاء النصف الأول من ولايته، إذ وصل عدد هؤلاء إلى 58 حتى الآن، بين وزير ومستشار ومساعد وخبير ومحامٍ. واللافت أن أبرزهم كانوا من أشد وأوائل أنصاره في حملته الانتخابية، لكن ذلك لم يشفع بهم. ولم يبقَ من الرعيل الأول في إدارة ترامب سوى 5 وزراء: الدفاع والتجارة والمالية والتربية والطاقة، بينما الباقون رحلوا أو بالأحرى جرى ترحيلهم مع كثير من المرارة التي تحوّلت أحياناً إلى تراشق بالنعوت غير اللائقة. هذا ما حصل أخيراً مع وصف الرئيس الأميركي لوزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون بـ"الغبي والكسول"، وذلك رداً على كلام الأخير بأن الرئيس "غير منضبط، لا يقرأ ولا يهتم بالتفاصيل".

تغيير الوجوه في الإدارات الأميركية ليس بجديد، وعادة يحصل بسبب خلافات حول السياسات أو الصلاحيات أو تحت ضغط ظروف ومستجدات تستوجب التجديد، لكن ليس بالوتيرة التي تشهدها إدارة ترامب. على سبيل المثال، تعاقب ثلاثة أشخاص على مركز مستشار شؤون الأمن القومي في أقل من سنتين، وكذلك ثلاثة رؤساء لمكتب الاتصالات في البيت الأبيض في المدة نفسها.


عادة تبقى تركيبات الإدارات الأميركية مستقرة، بينما اضطراب إدارة ترامب غير مسبوق، وهو ما يربطه مراقبون بوجود "أزمة حكم"، تعود في جذورها إلى مقاربة الرئيس الشعبوية في الداخل، والقومية - الفوقية تجاه الخارج. فترامب جاء لنسف السائد والإطاحة بالمألوف، محلياً وخارجياً. هذا التوجّه تسبّب له بالاصطدام مع المؤسسة ورموزها، خصوصاً وسائل الإعلام والقانون ومكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) وحتى الاستخبارات. تصادم أدى إلى تآكل الثقة، وإلى تعزيز الفردية لدى الرئيس، بما أدى إلى تسارع الاستقالات والإقالات من الإدارة. أكثر ما اشتكى منه الذين غادروا، ومنهم تيلرسون، أن ترامب يطالب بتسيير الأمور "كما يريد" بصرف النظر عن الموانع القانونية وغيرها، أو أنه يصر على تمرير مشاريعه في الكونغرس "من دون أن يكون على دراية بطبيعة عمل الكونغرس"، كما قال مرة زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، السيناتور ميتش ماكونيل.

إدارة ترامب التي لم تستقر على حال في النصف الأول الذي يُفترض أن يكون الأسهل من ولايتها، مقبلة على نصف ثانٍ حافل بالتحديات والصعوبات، فرصيد الرئيس يعاني من هبوط أشّرت إليه نتائج انتخابات الكونغرس الأخيرة، والقرار في مجلس النواب ينتقل في 3 يناير/ كانون الثاني المقبل إلى خصوم الرئيس الديمقراطيين. كذلك فإن التحقيقات في التدخّل الروسي تنذر بالمزيد من العواصف، بعد تعاون محامي ترامب السابق مايكل كوهين مع المحقق الخاص روبرت مولر. فيما ليس هناك ما يشير إلى أن تغيير الوجوه في الإدارة ينطوي على احتمال التغيير في نهجها، وبالذات نهج البيت الأبيض في إدارة الأمور. ومن هنا تأتي خشية أوساط عديدة، خصوصاً المعنية بشؤون السياسة الخارجية، من "أن يتكامل اضطراب إدارة ترامب مع تزايد عدم الاستقرار في أوروبا، ليؤدي إلى فوضى غربية تفيد روسيا والصين، إن لم تحصل صحوة لاستدراك الأمور على ضفتي الأطلسي".