مدن الأحلام.. "العربي الجديد" يستكشف الوجه الآخر من العراق

إربيل
نوزاد الجاف
27 يوليو 2016
+ الخط -

داخل محل فخم في مدينة "دريم سيتي" غربي أربيل في شمال العراق، ارتفع صوت سيدة شابة، مطالبة البائع بأن يفي بوعده الذي قطعه قبل يومين بخصوص توفير الطعام الخاص بكلبها الذي ينتمي لفصيلة البابيلون الثمينة، مبدية استعدادها لزيادة المبلغ المطلوب من أجل الحصول على البضاعة التي سيتم استيرادها بشكل شخصي من متجر مشهور يبيع مستلزمات هذا النوع من الكلاب الراقية، في العاصمة الأردنية عمّان.

يتكرر هذا النوع من المشاكل في ما يمكن أن يطلق عليه "مدن الأحلام"، والتي أخذت بالانتشار في إقليم كردستان العراق، كما وثق معد التحقيق، عبر مشاهداته، إذ يرتفع الطلب على وحداتها السكنية التي لا يقل ثمن أصغرها، والتي تبلغ مساحتها (200 متر) عن 300 ألف دولار، بينما يتجاوز سعر المتوسطة منها، والتي تزيد مساحتها عن 400 متر، حاجز المليون دولار ويتضاعف المبلغ في حال الحصول على وحدة (vip) من هذه المساكن، والتي تتميز بأنها تطل على شوارع رئيسية وتفوق مساحتها الـ 600 متر وتتمتع بمساحات خضراء أكبر من غيرها.

وبالرغم من الأزمة المالية الخانقة التي يعاني منها العراق عموماً وإقليم كردستان خصوصاً إلا أن مهمة الحصول على وحدة سكنية فخمة في "مدن الأحلام" كانت صعبة بالنسبة لمعد التحقيق، والذي ادعى أنه زبون، لأن أغلبها تم بيعه في المراحل الأولية من البناء، لكنه تلقى عروضاً من أصحاب مكاتب السمسرة العقارية لحجز وحدات في قرى سكنية فاخرة يتم وضع مخططاتها حالياً ويتوقع الانتهاء منها بعد ثلاث سنوات.

وتتركز "مدن الأحلام" في أطراف مدينة أربيل عاصمة كردستان، بينما يوجد اثنان منها في داخل المدينة (الإنكليزية والإيطالية الأولى) في الوقت الذي يستمر العمل بإنشاء المزيد منها بعد نجاح تجربة ملاك المدن الحالية في بيع وحداتهم، كما يؤكد تاجر العقارات إبراهيم زانا برادوستي.


امتيازات وهمية

يستعرض إبراهيم برادوستي الامتيازات التي يحصل عليها المالك في القرية الإيطالية الثانية التي تم تدشينها مؤخراً على مشارف أربيل، وفي مقدمتها الحصول على تيار كهربائي مستمر بدون انقطاع ومياه شرب معالجة وفق أحدث تكنولوجيا التعقيم العالمية ومساحات خضراء تغطي النسبة الأكبر من مساحة المشروع السكني وملعب خاص بالأطفال وميدان كبير مخصص لممارسة رياضة المشي، بالإضافة إلى تجهيزات رياضية متنوعة من الآلات الحديثة.

يضيف برادوستي في حديث مع "العربي الجديد"، أن الساكن في هذه المجمعات يتمتع بأعلى درجات الأمان لعائلته ويمكنه ترك أطفاله يتجولون بحرية تامة في المدينة التي تم تجهيز شوارعها بنظام دقيق يمنع قيادة السيارات أو الدرجات النارية بسرعة، بينما تتوفر في أنحاء هذه المدن خدمة الإنترنت فائق السرعة، وتم نصب العديد من الخدمات الترفيهية الإضافية.

برادوستي يشير إلى أن 1500 وحدة سكنية فاخرة في هذا المكان يتمتع ساكنوها بأفضل خدمات بلدية يمكن توفيرها في العراق ويتجول في شوارعها مندوبو شركات الديكور والتشطيبات النهائية والأثاث الفاخر الذين يعرضون مجموعة ضخمة من الإضافات النوعية، والتي يمكن عملها وفي مواعيد قياسية تضمن للزبون سرعة الحصول على "منزل ألف ليلة وليلة" بحسب تعبير إحدى اللوحات الإعلانية المنتشرة هنا.



منازل الأحلام

في مكتب تعج أرجاؤه بمظاهر الترف وتطغى الإنارة الخافتة على أطرافه، يستقبل المهندس التركي عبدالله سكفان معد التحقيق، بصحبة مترجمة الخاص ويستعرض بمساعدة جهاز عرض البيانات المزود بشاشة كبيرة مثبتة على الجدار مجموعة ضخمة من الأعمال السابقة التي قامت شركتهم في المجمعات الإنكليزية والإيطالية والأميركية واللبنانية المنتشرة داخل مدينة أربيل وعلى أطرافها.

المهندس التركي يبين لـ"العربي الجديد"، أن زبائنهم حصلوا على حمامات سباحة داخلية مصممة بمساحات تناسب الباحات الخلفية للمنازل، وكذلك ملاعب بولنغ وقاعات رياضية تجمع بين أجهزة الرشاقة وبناء الأجسام وطاولات البلياردو، فضلاً عن صالة السينما المنزلية التي ارتفع الطلب عليها مؤخراً.

ويضيف المهندس الشاب أن مهنتهم تتلخص في تحقيق أحلام الزبون فمن يريد صالة جلوس مستوحاة من داخل سفينة قديمة سيحصل عليها، وكذلك الحال بالنسبة للراغب في تصميم غرفة أطفاله وفق الشخصية أو الفيلم الكارتوني المفضل لديهم، وينطبق الأمر على المطابخ المستوحاة من ديكورات أشهر برامج الطبخ العالمية وغرف النوم وصالات الجلوس التي تظهر في المسلسلات التركية والخليجية.

مواصلة الحديث مع المهندس سكفان ليست بالأمر الهين وسط سيل المكالمات الهاتفية وزيارات المساعدين والزبائن، ولكنه يشير إلى أن جميع الأجزاء والمواد المستخدمة في عملهم يتم استيرادها بشكل خاص وفق ذوق ورغبة الزبون المستعد للدفع، ويمكنك أن تجد في ذات المنزل خشب ساج من السودان وحمامات وبلاط أرضيات وجدراناً من إيطاليا وإسبانيا وأثاثا دمياطيا من مصر وأجهزة رياضية من الصين وحوضا ضخما لسمك الزينة أميركي الصنع تم شراؤه بواسطة موقع (e bay) للتسوق الإلكتروني.


استفحال الطبقية

يؤكد الكاتب والمحلل الكردي نوزاد صباح، أن مشاعر الصدمة هي أول ما يراود من يتجول ولفترة قصيرة في واحدة من مدن الأحلام، إذ يشاهد مشاهد لا تتكرر في أي مكان آخر، ومنها سيارتا بورش وفيراري في مرآب أحد المنازل أو تجمع كبير لشباب يصطحبون كلاباً من نوع هاسكي وجيرمن شيبرد، وأطفال يتسابقون ويتنقلون بواسطة عجلات السكوتر ونساء يقمن بالتمارين الرياضية في الحدائق أو يتنزهن بصحبة كلاب صغيرة الحجم وذات أسعار باهظة.

المحلل صباح يرصد التحولات التي طرأت على المجتمع العراقي في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والذي أوجد فئة من الأثرياء والمتنفذين الذين لا يستطيعون العيش مع باقي أفراد الشعب، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى المجمعات السكنية الخاصة التي يقول المحلل إن كمية الموارد التي تنفق على النبات والحيوان فيها تعد حلما صعب المنال للعراقيين ممن يعيشون خارجها.

يشير صباح في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن كمية المياه المستخدمة في سقي الحدائق داخل إحدى القرى الفخمة يكفي لسد حاجة الشرب والاغتسال والاستخدام في مناطق سكنية شعبية تعاني من شح المياه، وكذلك الحال بالنسبة لنفقات شراء الكلاب والقطط والطيور النادرة وطعامها ومستلزماتها التي يؤكد "أنها كفيلة بإنشاء مجموعة مدارس للخلاص من مشكلة الدوام الثنائي أو الثلاثي في بناية المدرسة الواحدة التي يعاني منها العراقيون في أغلب مدنهم ومنها العاصمة بغداد".

ويحصي المحلل الكردي أكثر من ثماني قرى فخمة فقط في مدينتي أربيل والسليمانية يسكنها أكثر من 10 آلاف ثري، لافتاً إلى أن ساكني هذه القرى ليسوا بالضرورة من رجال الأعمال أو كبار المسؤولين، وأنه شخصياً يعرف عدداً كبيراً منهم يشغلون وظائف ذات صلة بالمال العام في بغداد ويربحون من خلالها، ويحصي في زقاق واحد شخصية مسؤولة عن محاربة الفساد في وزارة الثقافة ببغداد ومسؤول مشتريات في دائرة كهرباء محافظة صلاح الدين ومعاون مدير في شركة نفط الجنوب وهؤلاء جميعاً يستقلون الطائرة من بغداد كل يوم خميس ويلتحقون بعوائلهم في أربيل حيث يمضون معهم عطلة نهاية الأسبوع.



فقر مدقع

مسؤول معالجة البيانات في الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط العراقية عدي خليفة الساجت عمل قبل 4 سنوات ضمن فريق كبير على مسح ميداني ضخم يختص بتحديد خط الفقر في العراق؛ ليتضح في نهايته أن ربع سكان العراق أصبحوا بشكل فعلي ضمن شريحة الفقراء الذين يحتاجون لتحرك عاجل من أجل انتشالهم من أوضاعهم المأساوية.

الساجت قال لـ"العربي الجديد" إن النتائج التي توصلوا إليها في المسح طرأ عليها تغيير واضح خلال الفترة الماضية، ففي الوقت الذي حصلوا فيه على مؤشرات انخفاض طفيفة في نسبة الفقر عادت تلك المؤشرات إلى الارتفاع بشكل متسارع بعد موجة النزوح الكبيرة والمعارك التي دارت عقب سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل ومناطق أخرى في يونيو/ حزيران من عام 2014.

ومع انعدام المسوحات والدراسات المتخصصة في السنتين الأخيرتين لموجة الفقر في العراق إلا أن الساجت يعتقد أن الفقراء زاد عددهم بشكل كبير، خصوصاً في مناطق الوسط والغرب وجزء من الشمال، ومن الممكن جداً أن يشكلوا ثلث سكان العراق البالغ تعدادهم 36 مليون نسمة، مضيفاً أن دخل دولار واحد في اليوم، والذي يعد أدنى مستوى من الدخل وفقاً للإحصاءات العالمية، لم يعد متوفراً لآلاف العوائل التي تسكن في عشرات المخيمات الموزعة في أنحاء متفرقة من العراق.

وفي الوقت الذي انتهي فيه قلق سيدة المجتمع الراقي التي تسكن في "دريم سيتي" بعد حصولها على تطمينات من صاحب المتجر بتوفير طعام كلبها الثمين فإن مشكلة أخرى اندلعت في سوق شيخ الله الشعبي للخضروات في أربيل، والذي يقع على بعد كيلومترين من دريم سيتي، إذ يتشاجر مجموعة صبية ونساء ويعلو صوتهم بسبب ادعاء كل منهم بأحقيته في جمع مخلفات الباعة من الخضروات والفواكه التالفة، والتي تشكل الوجبة الأساسية لمئات العوائل النازحة إلى أربيل والعاجزة حتى عن شراء كيلو واحد من البطاطا، والذي يبلغ سعره 300 دينار؛ أي ما يعادل 0.3 من الدولار.

دلالات