مختبرات بغداد... مراكز تحاليل طبية وهمية تفاقم معاناة المرضى

05 أكتوبر 2016
الصورة
متخصصون يؤكدون دقة مختبرات المشافي الحكومية العراقية (العربي الجديد)
+ الخط -
نجت الشابة العراقية غيداء علوان، من تناول علاج خاطئ لمرض السكري، وصفه لها طبيب الأسرة، بعد تحليل مخبري أظهر أن نسبته بلغت 202 ملغم لكل 100 مل في الدم، وهو ما يعد مستوى مرتفعاً، لمريضة لم تشكُ من السكري سابقاً، ما دفع أسرة غيداء إلى الشك في نتيجة التحليل. وهو ما أيده متخصص في علاج أمراض الغدد الصماء والسكري، طلب من المريضة الشابة، إجراء تحليل جديد، في مختبر آخر، وكانت المفاجأة أن معدل السكر في دمها كان طبيعياً بمعدل 95 ملغم لكل 100 مل دم، وهو ما لا يستدعي تناول أي علاج أو القيام بحمية غذائية خاصة بمرضى السكري.

تحاليل قاتلة

توضح غيداء البالغة من العمر 21 عاماً، أن أخصائي علاج السكري، أكد لها أن مرض القولون العصبي، الذي تعاني منه وبعض الالتهابات البسيطة، سببت لها أعراضاً مثل التعرق وحرارة الأكتاف والأقدام والتعب، وهي تتشابه مع أعراض مرض السكري، الأمر الذي كشفته نتيجة تحليل مختبر يعتمده أغلب أطباء منطقة الشعب، شمال شرقي بغداد، وجهها إليه طبيبها المختص، بعد شكه في نتيجة التحليل الأول، الذي أجرته غيداء في مختبر افتتح مؤخراً في بغداد.

في المنطقة ذاتها من العاصمة العراقية، تكررت الواقعة مع حسين بريهي اللامي، الذي عانى من مغص وارتفاع قليل في درجة الحرارة، ووفقاً للامي، فإن الشك ساور طبيبه المختص من تحليل الدم الذي أظهر إصابته بحمى التيفوئيد المعدية والتي تتطلب عزله عن الأسرة وتناول مضادات حيوية بجرعات قوية ولفترة ليست قليلة.

يبين اللامي في حديث مع "العربي الجديد"، أن طبيبه تساءل عن المختبر الذي لم يسمع به من قبل، مؤكداً له أن الأعراض التي لدية ليست بالقوة التي يترجمها تحليل الدم، وكانت المفاجأة عند تكرار التحليل في مختبر آخر، أن الأعراض التي يعانيها ناتجة عن نزلة برد شديدة.

ويضيف اللامي الذي تعافى من مرضه أخيراً، أن أخطاء المختبرات وعدم دقة نتائجها خلقت معاناة مشتركة لمعظم العراقيين، وهو ما حصل لقريبة في مدينة السماوة جنوب العراق، الذي توفي بسكتة دماغية بعد تشخيص خاطئ أظهر إصابته بمرض اللوكيميا.


اختصاصي: 25% من نتائج التحاليل خاطئة

يتعامل استشاري الأمراض الباطنية والقلبية، الدكتور معاذ نزهان الجبوري، مع 80 نتيجة تحليل مختلفة يومياً، تصل إليه في دوامه العمل الحكومي الصباحي، في مستشفى الكرامة التعليمي وعيادته الخاصة التي يباشر عمله فيها بعد الظهر.

في عيادته بمنطقة بغداد الجديدة، تحدث الدكتور الجبوري مع "العربي الجديد"، موضحاً أن السجل الطبي السابق للمريض وتناقض الأعراض المرضية دفعه إلى طلب إعادة التحليل من أجل الحصول على التشخيص الصحيح وإهمال نتائج المختبرات غير المعروفة، بنسبة تصل إلى 25% من مجمل الحالات التي يعاينها يومياً، مستدركاً بأن البعض يفهم هذا الإجراء بأنه انحياز لمختبر معين أو محاولة للتكسب المادي على حساب مصلحة المريض، ولكنه يلجأ إليه ومستمر على هذا النحو بعد تجارب مريرة مع مختبرات كلفته عدة أخطاء تشخيصية.

ومع الاستبعاد العوامل النفسية والأدوية والأطعمة، التي تؤثر على نتائج التحاليل الطبية، فإن الدكتور الجبوري يدعو إلى التفريق بين تفاوت مقبول ونسبة طبيعية في نتائج مختبرين مختلفين، في تحاليل مثل سكر الدم والكولسترول وحتى تحليل البروتين وغيرها، مشيراً إلى أن تحليل السكري مثلاً يمكن أن يتحمل نتائج اختلاف تتراوح بمقدار 5 إلى 8 درجات لنفس العينة المسحوبة ضمن ذات الظروف.

4 أسباب لتباين نتائج التحاليل

بحسب مصطفى اليعقوبي، صاحب مختبر أهلي ويحمل شهادة ماجستير في التحاليل الطبية من جامعة البصرة، فإن أسباباً تقنية وبشرية تؤدي إلى الحصول على نتائج متباينة للتحاليل الطبية، وعلى رأسها ظروف التخزين واستعمال مواد رديئة في التحاليل، كما يقول موضحاً أن تعريض بعض العينات للهواء والضوء والرطوبة من شأنه تغيير خواص هذه المواد، مما ينعكس بديهياً على نتائج التحليلات.

ولفت إلى أن اقتراب موعد انتهاء صلاحية مواد التحليل، يدفع الشركات المستوردة إلى عرضها بأسعار تقل عن نصف سعرها الحقيقي من أجل تصريفها، محذراً من أن الجشع يدفع بعض العاملين في المختبرات، إلى المجازفة بشراء مواد تنتهي صلاحيتها بعد شهر أو شهرين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جميع هذه المواد تتطلب ظروف تخزين خاصة ودرجات حرارة معينة، لا يمكن الجزم بأن الشركة وفرتها منذ استيرادها قبل سنة ونصف أو أكثر، وهو الوقت الذي قضته في المخازن.

اليعقوبي يؤكد لـ "العربي الجديد"، أن انعدام المهارة والحرفية لدى بعض العاملين في المختبرات، يؤدي إلى نتائج مغايرة تماماً للحقيقة، قائلا "كل نوع من التحاليل، يحتاج إلى كمية معينة من العينة، تقاس بالمايكرون، سواء كانت دم أو غيرها ولا يمكن سحبها وتجهيزها، إلا بواسطة عنصر ذي خبرة وكفاءة"، مشيراً إلى أن طريقة سحب العينة يتوقف عليها نتيجة التحليل، فمثلاً تحليل (Serum electrolytes) الخاص بنسب الصوديوم والبوتاسيوم والمتعلق بأمراض القلب يشترط فيها عدم استخدام التورنيكا (مشد مطاطي لإبراز الوريد) في السحب من أجل عدم تكسر كريات الدم، وبالتالي الحصول على نتائج غير صحيحة.


عدم الالتزام بالقانون

يشترط قانون وزارة الصحة العراقية رقم 11 لسنة 1983 على من يرغب في افتتاح مختبر طبي الحصول "على مؤهل علمي في أحد فروع التحاليل الطبية، ولدية خبرة عملية سابقة في مختبر محدد، من قبل الوزارة فضلاً عن امتلاك إجازة ممارسة مهنة من قبل النقابة"، ولمعالجة موضوع إدارة المختبر من قبل غير المتخصصين فإن القانون لا يسمح لصاحب المختبر أن يتغيب عنه، إلا بعد توفير البديل المناسب ومن المتخصصين الذين يتم الحصول على موافقة وزارة الصحة عليهم وفي حال عدم القيام بهذا الأمر، عليه إغلاق المختبر وإيقاف عملة طيلة فترة غيابة عنه.

وبسبب مشكلة أخطاء وعدم كفاءة المختبرات، أصدرت وزارة الصحة العراقية وبحسب مدير المؤسسات غير الحكومية في الوزارة الدكتور جعفر ستار شياع، قراراً ينص على إجراء المعاينة المكانية للمختبر، بواسطة فرق متخصصة تقوم بالكشف على المختبر وجميع تفاصيل عمله، من أجل تجديد رخصة المهنة، بينما كان الإجراء القديم، يقتصر على تقديم معاملة ورقية فقط.

فرق التفتيش التابعة للدائرة التي يترأسها الدكتور شياع، أصبحت تقوم بجولات شبه يومية لمراقبة جودة الأجهزة والمواد المستخدمة، وتطبيق الشروط بخصوص إجازة صاحب المختبر، وحيازته لتخصص يؤهله لإدارة هذا العمل فضلاً عن مراقبة ثبات الأسعار المحددة لكل نوع من التحاليل.

ويستعرض الدكتور شياع، في حديث هاتفي مع "العربي الجديد"، جانباً من الإجراءات الرادعة التي يتخذونها بحق المختبرات المخالفة والمتمثلة بالغرامة المالية والإيقاف المؤقت، وصولاً إلى الإيقاف الدائم، بالنسبة لمن يقوم بتكرار المخالفات، ولا يعمل على معالجة جوانب النقص في مختبره.

ومع اعترافه بوجود مخالفات وأخطاء في المختبرات المجازة، إلا أن الدكتور شياع يؤكد أن المشكلة الأكبر تتمثل في "المختبرات الوهمية" التي تعمل بشكل غير قانوني وبلا رخصة أو ضوابط وتنتشر بالقرب من تجمعات الأطباء وتدار بواسطة أشخاص ليسوا مختصين ولا يحملون مؤهلات علمية، مضيفاً أنهم يغلقون هذه المختبرات ويحيلون مالكيها للقضاء.


مفاهيم خاطئة

يحذر الاختصاصي مهند عباس الشحماني (دكتوراه في الأحياء المجهرية)، من بعض المفاهيم الخاطئة التي يتداولها العراقيون حول المختبرات الطبية، وفي مقدمتها أن كفاءة التحليل ودقته أكبر لدى المختبرات الخاصة أو الأهلية بالمقارنة مع مختبرات المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية، لافتاً إلى أن خبرته الممتدة 18 عاماً في هذا المجال، أكدت له العكس بسبب الخبرة المتراكمة لدى من يعملون في المستشفى الحكومي والرقابة المستمرة على أدائهم.

وخدم الشحماني في العديد من المستشفيات العراقية في المحافظات الجنوبية وبغداد، وعمل أيضاً في مستشفيات ومختبرات تتبع القطاع الخاص، ولاحظ عن كثب نسبة الخطأ في تحاليل النوعين من المختبرات والتي كانت دائماً ترجح فيها كفة المختبر الحكومي، والذي يقول الشحماني أن العديد من الأطباء المشهورين يقومون بتحويل مرضى عياداتهم الخاصة إلى مختبرات المستشفيات الحكومية لثقتهم في دقة نتائجها.

وحذر المتخصص المخضرم من الممارسات غير الصحيحة التي يقوم بها المرضى، بالاعتماد على أجهزة التحليل المنزلية الخاصة بسكر الدم وأجهزة قياس الضغط، التي يقول إنها مهما بلغت من الدقة والإتقان، ولكنها تبقى محدودة الدقة، ولا تعطي نتائج مطابقة لأجهزة المختبر، بسبب الطريقة الخاطئة في الاستخدام وعدم فعالية تلك الأجهزة مقارنة بأجهزة المختبرات، ويضرب لهذا مثلاً بأبسط تحليل منزلي وهو سكر الدم، إذ يلجأ المريض إلى اختبار أول قطرة من الدم بواسطة جهاز تحليل السكر، على الرغم من أن تلك العينة، لا تحمل الخصائص الصحيحة للدم، في وقت أن المختص يهمل هذه القطرة ويستمر في الضغط للحصول على غيرها من أجل تحليلها.

دلالات