محيي الدين اللباد.. صورة الفنّان مع كتبه

04 سبتمبر 2018
الصورة
(من أعمال اللبّاد)

بسبب التكريس، النقدي ثم الإعلامي، كثيراً ما جرى اختزال الفن التشكيلي في مصر -كما في غيرها من الفضاءات الثقافية- في اللوحة، وذلك إلى وقت قريب من القرن العشرين، فيما بقيت المحامل الأخرى في الظل. ورغم تكريس تجارب إبداعية كثيرة لمنجزها خارج اللوحة، سواء في الجداريات أو في الرسم على الورق أو غير ذلك، فإنها بقيت إلى حد كبير على هامش الدراسة الفنية، لتبدو في الغالب كفن عفوي لا أكثر.

رغم هذه المساحة الضيقة، استطاعت بعض الوجوه أن تجد لها موقعاً في الضوء، ومنها تجربة محيي الدين اللّباد (1940-2010) الذي تحل اليوم ذكرى رحيله الثامنة. بمصطلحات حديثة، يمكن القول إن اللباد كان غرافيكياً Graphist أكثر من كونه فناناً تشكيلياً، من دون أن يلغي ذلك وجود رؤية فنية كأي فنان آخر، رؤية نجد أثرها العميق في رسومات عديدة في المجلات التي اشتغل فيها وفي الكتب التي صمّمها، وحتى في رسوم الكاريكاتير.

أهم ما يمكن التقاطه في منجز اللباد هو قدرته على اختزال التراث البصري المصري في الرسم الغرافيكي ومن خلال ذلك الحديث عن الحياة بمختلف تشعّباتها، وذلك عمل لم يكن هيّناً، على اعتبار أن ملامسة التراث أو استعارة مفرداته البصرية كثيراً ما يوقع التشكيليين في الدائرة المفرغة لاستهلاكه. الغرافيكي المصري كانت له هذه القدرة على التجاوز، حيث لا تخطئ العين وجودَ التراث في رسمة من رسوماته، ولكنها لا تخطئ أيضاً أن العمل حديث.

هناك علاقة متينة للّباد مع الكتب متعددة المستويات يجدر التوقف عندها، بداية بكون الكتاب يظل أحد أبرز أشكال التصميم. لكن علاقة اللباد لا تتوقف هنا، حيث إنه كان منتجاً للكتب، وهو أمر نادر لدى التشكيليين في العالم العربي.

ومن أبرز ما قدّم سلسلة في أربعة أجزاء بعنوان "نظر" صدّرها ببيت الشاعر اللبناني بشارة الخوري "إن عشقنا فعُذرنا أن في وجهنا نظر"، وهي كتب تَبسِط فنوناً تشكيلية مختلفة، منها التصميم والكاريكاتير ولكن لا تنحصر فيها، ليتناول رسومات الأطفال ورسومات علم التشريح والتصميم الصناعي وتحاول إدماجها في الثقافة العامة العربية.

وضَع اللبّاد أيضاً مؤلفاً بعنوان "حكاية الكتاب: من لفافة البردي إلى قرص الليزر"، وهو عمل تاريخي بحثي يشير إلى هذه العلاقة المتينة بين الفنان المصري والكتاب، ومن الضروري إضاءتها حيث يغلب في الثقافة العربية منطق يجعل الكتاب حكراً على دوائر الأدب والفكر (كما يحصر اللوحة في دوائر التشكيليين)، في حين أن جميع هذه العناصر يمكن أن تنفتح على بعضها وتتفاعل، لتصبّ كل الأنهار في بحر واحد.