محمد القصبجي.. بعيداً عمّا يُشاع

26 مارس 2015
الصورة
تسعة وأربعون عاماً على رحيل القصبجي
+ الخط -

بعيداً عمّا تحب الغالبية الخوض فيه من حياة محمد القصبجي الخاصة، كعدم إنجابه أو صحة رواية حبّه لأم كلثوم وعقابها له فنياً؛ فإن سيرته الفنية غنية بما فيه الكفاية لنعرفه من دون الاستعانة بالقصص الشخصية غير المؤكدة.

تميّز القصبجي (1892 - 1966)، الذي تحل ذكرى رحيله التاسعة والأربعين اليوم، بتعدد شخصياته خلال مسيرته الموسيقية الطويلة. وما لا يعرفه الكثيرون أنه بدأ مشواره عازفاً للعود وملحناً ومغنياً لأعماله، وأيضاً ناظماً للشعر، قبل أن يتخصّص في التلحين.

ثمة من يعتبر أن عدم تسجيله لأعماله بصوته يقف خلف عدم شهرته، مقارنةً بمجايله سيد درويش، علماً أنه لا يمكن الجزم بذلك أو تفسير سلوكه بعدم جمال صوته. في المقابل، نستطيع الجزم بأنه نجح في اختيار أصوات الآخرين كوسطاء لألحانه، فأنشد أعماله الأولى مطربون مهمّون مثل زكي مراد وفتحية أحمد ونادرة أمين ومنيرة المهدية وصالح عبد الحي.

ولد القصبجي وسيد درويش في العام نفسه، وربما كان هذا سبباً في المقارنة غير العادلة التي يعقدها النقاد بينهما، وأيضاً في نسب بعض أغاني القصبجي لدرويش، مثل مونولوج "شال الحمام حط الحمام"، الذي اشتهر بتحديه للعسكر الإنجليزي المحتل آنذاك عبر ذكره اسم سعد زغلول، وهو من غناء منيرة المهدية.

ويستحضر ذكر المهدية تاريخ القصبجي في التلحين للمسرح، مثل نظيره درويش. فقد وضع ألحاناً لنصوص مسرحية بدءاً من عام 1924 حتى عام 1929، منها "المظلومة" و"حرم المفتش" لفرقة المهدية، من كتابة يونس القاضي؛ ثم "نجمة الصباح" لفرقة نجيب الريحاني، من كتابة بديع خيري. كما نذكر في هذا السياق أنه لحّن الفصل الأول من أوبرا "عايدة" في فيلم "عايدة" لأم كلثوم، وعدداً من الأغاني لأوبريتات، اتّخذت شكل طقطوقة أو مونولوج فردي أو حوار ثنائي غنائي أو كورس جماعي.

وإذا كان بعض النقّاد يعيبون على القصبجي توجّهه إلى تلحين الطقاطيق الخفيفة، مثل "سلّفني بوسة من خدك" أو "بعد العشا يحلا الهزار والفرفشة"؛ يُعاب عليهم، في المقابل، عدم الالتفات إلى ما في بعض هذه الألحان الخفيفة من جودة، وإن خالفتها الكلمات في ذلك، وإغفالهم أهمية هذه المرحلة للقصبجي في رحلته لخلق صوته الخاص ومزيجه الشخصي وتكوين شكل مميّز للأغنية المصرية يستخدمه الملحنون على اختلاف توجهاتهم، من دون وعي.

ولفهمٍ أعمق لمراحل تكوُّن ذلك الشكل، نشير إلى تعدُّد شخصيات القصبجي اللحنية. إذ كان ملحناً تقليدياً مصرياً في مونولوج "خلي الدموع" لأم كلثوم، حيث لم يتخلّ عن الشكل التقليدي للتخت واللازمة الموسيقية القصيرة؛ وكان موائماً لمتطلبات عصره السريع في طقطوقة "بعد العشا" الشهيرة؛ وكان أيضاً مجدداً اكتشف نهجه الخاص، وهي مرحلة جديرة بالاستفاضة.

مزج القصبجي بين المونولوج والطقطوقة فخلق أغنية مصرية في شكل جديد، إضافة إلى كونه أول من أدخل آلات غربية هي التشيلو والكونترباص على التخت الشرقي، معادلاً بذلك حدة أصوات آلاته وخالقاً مساحة متوسطة ومنخفضة من الترددات لتكمل البناء الموسيقي اللحني بوضع الأساس الغليظ.

وقد تميّز فن القصبجي بعدة خصائص داخل اللحن الواحد، منه تنوع المقامات من واحد اشتهر بمصريته إلى آخر مستورد وغريب، مروراً بمقامات من اختراعه وفقاً لحسابات تبادُل وتوافق بين أصل المقام وأجناسه.

كما تميّز باهتمامه بوضع خلفية هارمونية لأجزاء اللحن (أصوات ثانية وثالثة على درجات مختلفة من السلم الموسيقي)، محاولاً ـ وناجحاً بلا شك ـ في نقل هذا الأسلوب الغربي في كتابة الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية بما يتواءم مع ألحان وُضعت لأذن ولهجة مصريتين، في نطاق يضمن له التجديد والقبول معاً، كما في أغنية "أنا قلبي دليلي" لليلى مراد.

القصبجي متوسّطاً أم كلثوم وعبد الوهاب


كان القصبجي ملحناً استثنائياً، تساوي جمله اللحنية في الطول جمل الغناء أو تتجاوزها، وأيضاً تساويها أهمية وانتماءً إلى المدرسة التعبيرية، بحيث تكمّل بعضها بعضاً. فلا يمكن الاستغناء عن أحد العناصر ضمن الأغنية الواحدة، من المقدمة مروراً بالفواصل (الجسور الموسيقية) وحتى نهاية الأغنية. وفي ذلك، تميّز أيضاً بمقدماته الموسيقية المستمدة من روح اللحن، لكن غير المقيّدة بالمقام نفسه وبدرجة اللحن الداخلي للأغنية، كما في أغنية "يا طيور" لأسمهان.

استخدم القصبجي قوالب أوروبية، مثل الفالس في "أنا قلبى دليلي"، والتانغو في "إمتى حتعرف"، وهما خير مثالين لتوضيح ثلاث نقاط مهمة ميّزت القصبجي عن غيره، مرة أخرى: الأولى هي أنه، رغم غرابة وهارمونية الموسيقى، حرص على أن يظل الغناء شرقياً وجديداً في الوقت نفسه، موازناً بين مكونات اللحن المعاصر بدقة.

النقطة الثانية بُعده عن تضمين ألحانه الارتجال، أو بالأحرى التلميح به، في حين سبق تحديده في جمل لحنية محكمة، مثل "وأصبره وأواسيه" في "إمتى حتعرف" لأسمهان. أما النقطة الأخيرة، فهي حرصه على التغيير الإيقاعي المستمر داخل القطعة الموسيقية أو اللحن الواحد، وهي نقطة في غنى عن الشرح، تفهم بسهولة عند الاستماع إلى أحد ألحانه، مثل "يا صباح الخير" لأم كلثوم.

تتلمذ على يد القصبجي عبد الوهاب وفريد الأطرش والسنباطي، وظل الأخير متأثراً به إلى حد جعل بعضهم ينسب لحنه لأغنية "قضيت حياتي" إلى القصبجي. وهو ما حصل أيضاً مع اللحن اليوناني لـ "يا حبيبي تعالَ الحقني". ولا يفوتنا أن تجربة القصبجي في التلحين كانت عربية شاملة. فإلى جانب أسمهان ونور الهدى، لحّن لوردة نشيداً دينياً بعنوان "إياك نعبد ما حيينا"، وقبيل وفاته قيل إنه كان يعدّ لحناً لفايزة أحمد.

المساهمون