محمد الطاهر الفرقاني: شمس قسنطينة التي غيّبت النجوم

09 مايو 2020
الصورة
(الفرقاني وهو يغنّي ويعزف في سهرةٍ رمضانية بقسنطينة، 1950)

لم تكُن مدينة قسنطينة (شرقَي الجزائر)؛ حيث وُلد محمد الطاهر الفرقاني في مثل هذا اليوم من عام 1928، تفتقر إلى مطربين في أُغنية المالوف التي برزت في أدائها أصواتُ فنّانين مثل حمّو الفرقاني، والشيخ ريمون، وآلان شقرون. لكن ظهوره منذ بداية الخمسينيات سيُغطّي عليهم جميعاً، ليُصبح "النجم" الأوّلَ في ذلك النوع الموسيقي القادم من إشبيلية، حتى اليوم، وقد مرّت على رحيله قرابةُ أربع سنوات.

ولئن كان جزءٌ من الأغاني التي اشتهر الفرقاني (قسنطينة 1928 - باريس 2016) بها مستمَدّاً من التراث الشعبي الجزائري، الحكائي والموسيقي، فإنَّ طريقتَه الفريدة في أدائها، جعلَتها تُنسَب إليه وترتبط به أكثر من أيِّ مطربٍ آخر أعاد غناءها. ومِن بين تلك الأغاني: "البوغي"، و"قالوا لعرب قالوا"، و"يا ظالمة". بل إنّ اسمه ظلَّ حاضراً معها حتى حين اقتُبست إلى فنونٍ أُخرى؛ كالمسرح والسينما.

تروي "ملحمة البوغي" حكايةَ مغنّي مالوفٍ اسمُه جاب الله يقع في عِشق شابّةٍ قسنطينيةٍ اسمُها نجمة، لكنَّ ظروفاً تُفرّق بينهما، فتتزوّج الفتاة من غيره. ولاحقاً، تطلُب إحضاره ليُغنّي في حفل ختان ابنها، فيُسافر إلى قسنطينة ويُؤدّي أغنيةً يروي فيها قصّة حبّه المستحيل؛ فيُفتضَح أمرُه ويتحوّل الحفلُ إلى مأتمٍ بمقتله. ويعتقد نقّادٌ أنَّ هذه الحكايةَ الشعرية نفسها هي ما ألهم الروائي الجزائري كاتب ياسين (1929 - 1989) في روايته "نجمة" التي صدرت عام 1956.

يشعر مستمع الأغنية بصوت الفرقاني وعزفه، وهو البارع في العزف على آلة الكمان، بأحاسيسَ متناقضةٍ يطغى عليها الحزن؛ حتى ليبدو أنّ محمد الطاهر يقدّها مِن روحه.

وحين اقتبس المخرج المسرحي أحسن بوبرّيوة القصيدةَ إلى المسرح، كان ذلك بمثابةِ تكريمٍ للفرقاني الذي حضر كضيف شرفٍ عرضَها الأوّل سنة 2007.

قبل ذلك، وتحديداً في عام 1983، اختار المسرحيّان البارزان عز الدين مجّوبي (1945 - 1995) وامحمّد بن قطّاف (1939 - 2014) "قالوا لعرب قالوا" عنواناً لعملٍ مسرحيٍّ اعتُبر علامةً فارقةً في المسرح الجزائري. والمفارقة أنّه ارتبطَ هو الآخر باسم الفرقاني رغم أنه لا يمتُّ إليه بصلة؛ إذ اقتُبس العمل من مسرحية "المهرّج" للشاعر السوري محمد الماغوط، بينما تتغنى "قالو لعرب قالوا"، التي أدّاها الفرقاني استناداً إلى نصّ شعري تاريخي مجهول المؤلّف والملحّن، بِصالح باي (1786 - 1850)، أحدِ بايات العهد العثماني في الجزائر، وتصف حُزن سكّان مدينة قسنطينة عليه بعد نهاياته التراجيدية التي أعقبت محاصرَته من قوّات الاستعمار الفرنسي.

نشأ محمّد الطاهر الفرقاني وسْط عائلة من الفنّانين؛ حيث ورث - مع أخوَيه زهور والزواوي - الموسيقى مِن والده الشيخ حمّو، وأورثها ابنَيه سليم ومراد. ومثلما غطّى على فنّاني جيله والجيل الذي سبقه، فقد غطّى أيضاً على فنّاني عائلته التي باتت تُعرَف به، وقد كانت تُعرف بوالده الذي برز في الحوزي (طبعٌ موسيقي أندلسي آخر) تأليفاً وتلحيناً وأداءً.

وحسب العارفين بالموسيقى، فإن السرّ في تميُّز الفرقاني على سابقيه ومجايليه ولاحقيه يكمُن في مزاوجته السهلة بين الأداء الموسيقي والغنائي، وهو الذي عُرف بجمال صوته وقوّته، وبراعة عزفه على كلّ الآلات الموسيقية. يُضاف إلى كلِّ ذلك اشتغاله الحثيث على تعليم موسيقى المالوف وتوثيقها، وقد أسّس "مدرسة قسنطينة للموسيقى الأندلسية"، وقدّم المئات من التسجيلات في المالوف وأنواع موسيقية أخرى كان لها دورٌ بارز في الحفاظ على هذا التراث الفنّي العريق.