محاربو الصحراء.. الحلم العربي الأخير

محاربو الصحراء.. الحلم العربي الأخير

08 يونيو 2014
الجماهير الجزائرية ستُساند محاربي الصحراء حتى النهاية (Getty)
+ الخط -

إذا رغب الإنسان في شيءٍ، فإن العالم كله سيطاوعه من أجل تحقيق رغبته، كل ما عليك فعله هو الاستماع إلى القلب والسعي وراء الحلم حتى النهاية، من الممكن أن يكون قريباً ومن الوارد ابتعاده، لكن في النهاية سيحاول وينتظر النتيجة.


كلمات بسيطة وسلسة قدّمتها رواية "الخيميائي" للعالمي باولو كويلو، لكي تكون صالحة لكل زمان ومكان، وفي كرة القدم شيء مشابه، فإذا لم يستطع إيصال الرسائل عبر أمور عديدة، فإن الساحرة المستديرة كفيلة بلعب دور الوسيط الروحي الذي يجعل الشخص في قلب الأحداث.


ومنتخب الجزائر يُمثل باختصار كل رسائل وأمنيات وأهداف العرب في المونديال القادم، هو المنتخب العربي الوحيد في المونديال البرازيلي 2014، وشعاره في البطولة سيكون على خُطى الأتراك في اليورو 2000، "اسمعوا صوتنا يا عالم، صوت الأقدام العربية"، وفي مجموعة تضم بلجيكا وكوريا الجنوبية وروسيا، الأحلام وحدها لا تكفي، ولا بُد من العمل الشاق والجهد الكبير من أجل تخطي مرحلة المجموعات والوصول إلى أبعد من ذلك.


فنياً، فإن الجيل الحالي لمحاربي الصحراء يختلف تماماً عن منتخب العام 2010 الشهير الذي أقصى منتخب الرعب المصري من التصفيات النهائية، وتأهل عوضاً عنه إلى جنوب إفريقيا منتخب الشيخ "رابح سعدان" ضّم مجموعة اللاعبين الخبراء الذين اشتهروا إفريقياً وعربياً بعد تصفيات المونديال، أسماء معروفة وتشكيلة لا تتغير إلا في أضيق الظروف، ومع الوقت يجب حدوث تغيير، لكن بقي الوضع على ما هو عليه.

الإداري روراوة همزة الوصل

لكن الجزائر خرجت من نصف النهائي أمام المصريين في "الكان الإفريقية"، ثم حضور باهت في المونديال العالمي وكانت النهاية في تصفيات إفريقيا 2012، إذ سجل محاربو الصحراء عروضاً سيئةً ونتائج غير مستقرة، رحل الشيخ، وجاء بن شيخة الذي لم يستمر كثيراً أيضاً، وهنا لعب الدينامو محمد روراوة دور البطل في التحّول الجذري داخل صفوف المحاربين الشجعان.


وكان روراوة نموذجاً حقيقياً للإداري العربي، رجل يعرف من أين تُؤكل الكتف، بارع في تجهيز أرضية جيدة للنجاح، ويملك عينا خبيرة في التقاط المواهب من أوروبا وإقناعها بتمثيل منتخب بلادها، لذلك نجح في تقمّص شخصية رجل العلاقات القوية الذي يربط بين اللاعبين المحليين وأقرانهم المحترفين في مختلف ملاعب العالم والقارة العجوز.


ليس هذا فحسب، بل أيضاً راهن على الخيار الصعب واستقدم المدير الفني المغامر، وحيد حاليلوزيتش، والقريب من دائرة الأحداث الكروية في بلد المليون ونصف شهيد، وهو يعرف جيداً كيف دارت الأمور في بداية الرحلة الجديدة، إذ كان هناك شعور عام يسود داخل المنتخب بأن هناك أسماء معيّنة تلعب بصفة مستمرة مهما فعلت، وبالتالي لاحظ المدرب الجديد بعض التهاون والتخاذل وسط المجموعة.


تفاعل حاليلوزيتش مع المشكلة وجمع المنتخب بأكمله، وسألهم عن سر التراجع، وجاءت الإجابة كافية وافية، لماذا نتدرب ونحن نعرف التشكيلة الأساسية؟ وكان ذلك رداً صادماً وقاسياً بدون شك، لكنه ساعد الوافد الجديد كثيراً في مشواره، وأصبح الأختيار وفق المستوى فقط، وليس لأسباب أخرى، واتفق الجميع على شعار واحد، صناعة منتخب جديد للمستقبل.


وقع المنتخب في مجموعة الموت خلال بطولة الأمم الإفريقية 2013، مع ساحل العاج وتوجو وتونس، خرج الفريق مبكراً، لكنه كسب جيلاً يستطيع المنافسة في قادم المواعيد، وخلال تصفيات كأس العالم الأخيرة، برهن عناصر وحيد على ذلك بالوصول إلى الملحق وتخطي عقبة وصيف بطل إفريقيا، منتخب بوركينا فاسو بهدف غال جداً في جولة الحسم الأخيرة.

طريقة اللعب

يمتاز المنتخب الجزائري بمرونة تكتيكية كبيرة، واللعب بأكثر من طريقة، وفقاً لأهمية وتقدير كل مباراة، ويعتمد حاليلوزيتش في الأساس على خطة(4-2-3-1)، بتواجد رباعي دفاعي في الخلف بينهم ظهيران على الخط، وأمامهم ثنائي محوري يقوم بأدوار دفاعية صريحة ويلعب دورا أساسيا في حماية خط الظهر وإغلاق المسافات بين الخطوط.


في حين يعتمد هجومياً، على قدرة لاعب الوسط الثالث الذي يصبح صانع ألعاب متأخرا ويقوم بإمداد الثلث الهجومي بالكرات الدقيقة، مع تواجد ثنائي الأجنحة على الأطراف وتمركز المهاجم الصريح على مشارف منطقة الجزاء، لذلك نستطيع أن نحدد اسم الطريقة على الورق، لكن في الملعب من الممكن أن يعود لاعب الوسط الثالث إلى الخلف قليلاً لتصبح الطريقة أقرب إلى (4-2-3-1) أو (4-3-3).


ويلعب المدرب بأكثر من تشكيلة، لذلك من الصعب جداً وضع أسماء المجموعة الأساسية، وإذا كان التغيير المستمر يُشكل نقطة ضعف في عدم ثبات المستوى، لكنه عامل تحفيزي إيجابي لكل اللاعبين، والسير على طريقة "الأفضل فقط هو من يلعب"، وأفضل مثال على ذلك ثلاثي الوسط الذي يربط خطوط المنتخب داخل الملعب.


ويتمثل هذا الثلاثي بنبيل بن طالب، الذي يلعب عادةً لاعب ارتكاز ثانيا بجوار لحسن، وأمامهما صانع لعب صريح مثل يبدة أو محرز، لكن أمام بلجيكا مثلاً، سيعود المنتخب أكثر للوسط والدفاع ومن الممكن أن يتحول بن طالب إلى صانع ألعاب وخلفه ثنائي محوري صريح، لكي تصبح الطريقة (4 -5-1)، بإغلاق الملعب عرضياً بفكر متكامل.


ويهاجم "الخضر" من الأطراف بشكل رائع، أجنحة سريعة تجيد التوغل من الأطراف إلى العمق كياسين براهيمي، وأطراف سريعة على الخط مثل فيجولي وسوداني، بالإضافة إلى الظهيرين الخلفيين اللذين ينطلقان من الخلف إلى الأمام أثناء التحولات الهجومية، في أسلوب عمودي مباشر تجاه مرمى الخصوم، بالإضافة إلى وجود مهاجم كلاسيكي على الطريقة الحديثة، سليماني أو جيلاس، ثنائي متحرك يلعب خلف الدفاع ويجيد الاستلام والتسليم تحت ضغط وفتح مساحة للقادمين من الخلف.


كما يعطي لاعب مثل براهيمي أي مدرب حلولا تكتيكية عديدة، ليس فقط على مستوى الجناح، بل أيضاً كصانع لعب من العمق، هو الجناح العميق الذي يلعب على الطرف ويستطيع صناعة اللعب من أي مكان بالملعب، لذلك من الممكن أن يضيف الكثير للمحاربين خلال المباريات المغلقة التي تحتاج إلى مبتكرات فردية مباغتة.


بينما تبقى مشكلة المنتخب الأساسية في بطء عمق الدفاع وسهولة اختراقه ولعب الكرات القصيرة والطويلة من خلفه، بالإضافة إلى عدم ثبات توليفة ثابتة خلال كل مباراة، ولا يوجد حل آخر سوى ما يفعله المدرب مؤخراً بوضع أكثر من لاعب تغلب عليه النزعة الدفاعية في منطقة الارتكاز.


وهناك مشكلة أخرى تتمثل في خبرة اللاعبين، أغلبهم لم يلعب مباريات كثيرة، والبعض صغار في السن، وهناك من لعب مباراة واحدة مثل ماندي أو لعب ثلاث وأربع مباريات دولية مثل جولام وابراهيمي، ومحرز لم يلعب أي مباراة، وهذه الأمور رُبما ستكون عاملا سلبيا خلال مباريات المجموعات في المونديال العالمي مع نقص نسبة الوديّات قبل الحدث الكبير.

الأمل الأخير

ومع خروج كل المنتخبات العربية من التصفيات خلال الأمتار الأخيرة، فإن الأمل الأكبر يقع على المنتخب الجزائري، لكي يضع الأمور وفق نصابها الصحيح، ويحاول التعبير عن كرة الشمال الإفريقية في المونديال العالمي، الذي يعتبر المسرح الكبير الذي يستقبل مختلف الفنون من كل دول العالم، لأن كرة القدم في النهاية عبارة عن ساحة للعرض، فكر مقابل فكر، ولعبة ضد أخرى، والمستطيل الأخضر هو الفاصل في النهاية.