مجزرة صعدة: الحدود اليمنية السعودية في قلب التصعيد مجدداً

31 يوليو 2019
الصورة
13 قتيلاً و23 جريحاً بمجزرة سوق آل ثابت(فرانس برس)
+ الخط -

جاءت المجزرة التي ارتكبتها القوات السعودية بقصف أحد الأسواق الشعبية اليمنية في محافظة صعدة شمالي البلاد، مساء أول من أمس الإثنين، لتسلط الضوء مجدداً على المواجهات المشتعلة في المناطق الحدودية بين البلدين، التي ارتفعت وتيرتها أخيراً، مع مواصلة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) هجماتها باتجاه الجانب السعودي، وعودتها إلى استخدام الصواريخ الباليستية، في مقابل حالة من الإرباك لدى الرياض، نتيجة الفشل في الحدّ من تهديد الجماعة في حدودها الجنوبية، بعد أربع سنوات من الحرب المستمرة.

ووفقاً لأحدث المعلومات الواردة من مصادر محلية وأخرى تابعة للحوثيين، بلغ عدد ضحايا القصف السعودي لسوق "آل ثابت"، في مديرية قطابر في محافظة صعدة، 13 قتيلاً و23 جريحاً، وذلك بعد أن وقع القصف أثناء ازدحام السوق بالمرتادين يوم الإثنين الماضي. ونقل المصابون إلى المستشفى الجمهوري في مدينة صعدة (مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه)، وقالت مصادر طبية إن عدداً منهم بحالة حرجة.

وبينما جاءت المجزرة بعد أيام قليلة من إبقاء الأمم المتحدة، التحالف السعودي الإماراتي ضمن القائمة السوداء للأطراف المسؤولة عن قتل الأطفال في اليمن، بما في ذلك المسؤولية عن مقتل وإصابة 729 طفلاً خلال العام 2018، أشارت المعلومات إلى أنّ طفلين على الأقل من بين القتلى في استهداف سوق "آل ثابت" الأخير، بالإضافة إلى ما يقرب من 11 جريحاً من إجمالي عدد المصابين البالغ 23 شخصاً. وهي حصيلة قالت التصريحات الأولية للحوثيين إنها ناتجة عن قصف مدفعي للقوات السعودية، لكن الجماعة تحفظت لاحقاً عن تأكيد وقوعها بقصف مدفعي أو بغارة جوية.

وتعدّ مديرية قطابر واحدة من تسع مديريات يمنية حدودية، تتبع إدارياً محافظة صعدة معقل الحوثيين، وكانت أقلّ ارتباطاً بالمعارك الحدودية والقصف البري والجوي خلال الأعوام الماضية. إلا أنّ المجزرة الأخيرة جاءت لتجعل منها المأساة الأحدث في سلسلة المجازر التي شهدتها مناطق متفرقة بمحافظة صعدة، كان أبرزها خلال العام الماضي استهداف حافلة تقلّ عشرات الأطفال بمدينة ضحيان، مع ما رافقها من إقرار سعودي بالمسؤولية، واعتبار الضحايا "هدفاً مشروعاً"، قبل أن يتم التراجع عن ذلك تحت الضغط الدولي وإحالة الحادثة على فريق تقييم الحوادث التابع للتحالف.

من زاوية أخرى، جاء قصف التحالف في قطابر بالترافق مع تصعيد لافتٍ تشهده جبهات المواجهات في المناطق الحدودية مع السعودية، كان الأحدث فيه الإثنين الماضي، إعلان الحوثيين إطلاق صاروخ باليستي قصير المدى من طراز "بدرF"، قالوا إنه استهدف تجمعات ومخازن للجيش السعودي في بلدة الدائر غرب منطقة عسير. وسبق ذلك بيوم إعلان الجماعة (الأحد الماضي)، استهداف مقر قيادة التحالف في سقام بمنطقة نجران بصاروخ باليستي قصير المدى، بالإضافة إلى استهداف مطار نجران بـ"عدد من الطائرات المسيرة بدون طيار"، من نوع "قاصف 2".

وكان الحوثيون قد بدأوا منذ مايو/ أيار الماضي، موجة جديدة من التصعيد في المناطق الحدودية، إذ تبنّت الجماعة العديد من العمليات الجوية، باستخدام طائرات مسيرة تركزت هجماتها على مطارات نجران وعسير (مطار أبها الدولي) وجازان. علماً أنّ المناطق الثلاث ترتبط بشريط حدودي مع محافظتي صعدة وحجة من الجانب اليمني، وتشهد نقاط متفرقة منها مواجهات، ما إن تهدأ في منطقة حتى ترتفع وتيرتها في أخرى، حيث ينفّذ الحوثيون محاولات اختراق باتجاه الجانب السعودي ويحاولون في مناطق أخرى التصدي لقوات الجيش اليمني الموالية للشرعية، التي تقدمت بدورها في الأعوام الأخيرة على أكثر من محور في مناطق صعدة. إلا أن ذلك لم يمنع الحوثيين من مواصلة الهجمات، التي يسعون من خلالها لإيصال رسائل عن قدرتهم على تهديد الجانب السعودي.

وفي السياق، تمثّل الإحصائية التي نُقلت عن وسائل إعلام سعودية يوم الجمعة الماضي، وتحدّثت عن مقتل 13 جندياً سعودياً بمواجهات الحدّ الجنوبي مع الحوثيين، خلال يومين، مؤشراً على أنّ التصعيد الحاصل على الحدود على درجة من الأهمية. إذ نادراً ما يتم الحديث عن سقوط قتلى بهذا العدد من الجيش السعودي، في ظلّ امتلاكه أحدث الأسلحة والمعدات الدفاعية والهجومية، بما في ذلك الغطاء الجوي الذي توفره المقاتلات الحربية، الأمر الذي يفتقر إليه الحوثيون، الذين قالوا إنهم سيطروا في الـ23 من يوليو/ تموز الحالي بمنطقة عسير، على ثلاثة مواقع لمن وصفوهم بـ"مرتزقة الجيش السعودي"، المصطلح الذي تستخدمه الجماعة في سياق الحديث عن القوات اليمنية الموالية للشرعية على الحدود.

ومنذ الشهور الأولى لحرب التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، تمثّل المناطق الحدودية أحد الأهداف المحورية بالنسبة للرياض، التي سعت للحدّ من تهديد الحوثيين المتهمين بتلقي الدعم من إيران لأراضيها، وكرّست قدراً غير قليل من جهودها العسكرية صوب صعدة الحدودية؛ سواء بالضربات الجوية المكثفة ضدّ أهداف في المحافظة، أو على صعيد نشر أعداد غير قليلة من قواتها على الحدود إلى جانب وجود قوات سودانية هناك، فضلاً عن دعم قوات الجيش اليمني بالتقدم من الحدود صوب صعدة. ومع ذلك، فإنّ استمرار هجمات الحوثيين باتجاه الجانب السعودي وتكثيف ضرباتهم بالطائرات المسيرة والصواريخ، يمثّل أحد أبرز الشواهد على فشل السعودية بتحقيق أهدافها المرتبطة بتأمين الحدود، وإبعاد خطر الحوثيين الذين استخدموا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لمهاجمة أهداف في العمق السعودي.

المساهمون