مجازر إدلب: روسيا تمهّد بالدم لأستانة

23 يوليو 2019
الصورة
معرة النعمان بعد الغارات الروسية أمس (الأناضول)
صعّد النظام السوري وحليفه الروسي من وتيرة ارتكاب المجازر بحق المدنيين في شمال غربي سورية، قبيل أيام من جولة مفاوضات جديدة في سياق مسار أستانة في مسعى لكسب أوراق سياسية إضافية تترجم سياسياً، ولفرض رؤية تقوم على اعتراف المعارضة السورية المسلّحة بخارطة السيطرة الجديدة التي تتيح لقوات النظام البقاء في مناطق سيطرت عليها خلال الحملة العسكرية المستمرة منذ أواخر إبريل/ نيسان الماضي. وفي واحدة من أكبر المجازر خلال التصعيد الأخير، قُتل أكثر من 40 مدنياً وأصيب أكثر من مائة جراء غارات استهدفت مدينة معرة النعمان، أكبر مدن ريف إدلب الجنوبي، وسراقب في ريف إدلب الشرقي. وشنت الطائرات الروسية غارة على سوق شعبي في مدينة سراقب، ما أدى مقتل ستة مدنيين على الأقل وجرح آخرين من دون أن تتضح الحصيلة النهائية للضحايا نظراً لخطورة وضع أكثر من 8 جرحى. وشهدت مدينة معرة النعمان المجزرة الأكبر منذ بداية التصعيد قبل أشهر، إذ قتل ما لا يقل عن 32 شخصاً وأصيب أكثر من نحو 105 جرحى، بعضهم في حالات خطرة.
ووفق مصادر ميدانية متعددة، بينها شبكة "أخبار إدلب"، فإن طائرة حربية تابعة لسلاح الجو الروسي نفّذت أربع ضربات جوية على سوق شعبية ومنازل وسط معرة النعمان، ما أدى إلى مقتل وإصابة هذا العدد الكبير من المدنيين. وأضافت أن "عدد القتلى مرجح للارتفاع بسبب وجود عالقين تحت الأنقاض، وكثرة الجرحى وخطورة بعض الإصابات التي بلغ عددها العشرات"، مشيرة إلى أن "من بين القتلى عنصراً من الدفاع المدني، إذ استُهدفت فرق الإنقاذ التي حاولت إسعاف المدنيين بعد الضربة الأولى". لكن وزارة الدفاع الروسية، نفت في بيان لها، مشاركة طائراتها في قصف بلدة معرة النعمان. وجاءت المجزرة بعد يوم من مجزرة مماثلة في قرية أورم الجوز، جنوبي إدلب، وقُتل وأصيب فيها عشرات المدنيين.

من جانبه، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، الى أن طائرات النظام نفذت أمس، 24 غارة على كل من معرة النعمان وكفرسجنة ومعرزيتا وأرمنايا وبسيدا وكفروما بريف إدلب الجنوبي، ومحور كبانة بجبل الأكراد، والسرمانية ودوير الأكراد بسهل الغاب، فيما ارتفع إلى 15 عدد الغارات التي نفذتها طائرات روسية على كل من معرة النعمان وخان شيخون والركايا والتمانعة وترعي جنوب إدلب، ومورك بريف حماة الشمالي.

وردت فصائل المعارضة السورية على مجزرة معرة النعمان بقصف تجمعات قوات النظام بالمدفعية والصواريخ في السقيلبية وسلحب بريف حماة الغربي "ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من عصابات الأسد"، وفق المتحدث الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتحرير النقيب ناجي أبو حذيفة. ورأى أبو حذيفة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "التصعيد من قبل النظام وحليفه الروسي تجاه المدنيين جاء بسبب فشلهما الكبير في معارك ريف حماة الشمالي"، مضيفاً أنه "عندما تتعرض قوات النظام للهزائم تقصف المدنيين وترتكب المجازر بحق الأطفال والنساء". وأشار إلى أن "انتقام النظام والروس من المدنيين دليل على الفشل وعدم القدرة العسكرية".
بدوره، دان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وفريق "منسقو استجابة سورية" المجزرة. وذكر الائتلاف في تصريح له أنه "بات واضحاً أن النظام وحلفاءه عالقون في حتمية خياراتهم الأولى، وبسبب طبيعتهم الاستبدادية والديكتاتورية والقمعية، فإنهم لا يتصورون وجود خيارات بديلة سوى الاستمرار في القتل، ومن هنا تظهر مجدداً مسؤولية المجتمع الدولي تجاه حالة الاستعصاء الجارية وسلسلة القتل المستمرة التي تهدف إلى تقويض جهود استئناف العملية السياسية".
ويأتي القصف الجوي الذي يؤدي إلى مجازر بحق المدنيين ليؤكد مرة أخرى عجز قوات النظام والمليشيات المدعومة من الجانب الروسي عن التقدم البري، ما يدفع إلى الضغط على الحاضن الشعبي للمعارضة من خلال ارتكاب المجازر. وهذا السيناريو المتوحش سبق أن طبّقه النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون في حلب وريف دمشق وريف حمص الشمالي وجنوب سورية، لأن المدنيين هم نقطة ضعف المعارضة المسلحة. ويأتي الفتك بالمدنيين قبيل أيام من انعقاد الجولة المقبلة من مفاوضات أستانة مطلع شهر أغسطس/آب المقبل، في مسعى من النظام والجانب الروسي لفرض رؤيتهما حيال الموقف في الشمال الغربي من سورية. ويبدو أن روسيا لا تزال تصرّ على موقفها القائم على فرض أمر واقع جديد في المنطقة واعتراف الجانب التركي بالحدود المستجدة بعد بدء التصعيد الأخير أواخر إبريل الماضي، قبيل إيقاف إطلاق النار. وهو ما رفضته أنقرة وفصائل المعارضة السورية بشكل قاطع، لأن الأتراك يطالبون بعودة قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، قبل البحث في أي اتفاق جديد يوقف إطلاق النار. ومن المتوقع أن تكون الجولة المقبلة من أستانة حاسمة على هذا الصعيد؛ فإما اتفاق تركي روسي يعيد الهدوء على الجبهات وينهي القصف الجوي، أو فشل جديد يؤجج الصراع أكثر في الشمال الغربي ويفتحه على كل الاحتمالات. ومع إدراك الجانب الروسي فشله في إحداث اختراق كبير في جبهات القتال خصوصاً في ريفي حماة واللاذقية، لجأ إلى التصعيد الجوي في مسعى لدفع المعارضة لإجراء تسوية للنظام. لكن المعارضة التي جربت تسويات النظام في مناطق عدة كانت تحت سيطرتها اكتشفت أن المصالحة مع النظام مدخل للفتك بالمعارضة المسلحة وحاضنها الاجتماعي لا أكثر ولا أقل.

وفي السياق، رأى العقيد مصطفى البكور، قائد العمليات في "جيش العزة" أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، في حديث مع "العربي الجديد" أن "الجولة المقبلة من مفاوضات أستانة حلقة من حلقات مؤامرة القضاء على الثورة السورية". وكان الجانب الروسي أعطى قوات النظام الضوء الأخضر للبدء بحملة عسكرية تعد خرقاً لاتفاق سوتشي بين أنقرة وموسكو، المبرم في سبتمبر/أيلول الماضي، والذي أنشئت على أساسه منطقة منزوعة السلاح في محيط محافظة إدلب. وتؤكد المعطيات أن السبب المباشر وراء الحملة هو عدم قبول الجانب التركي إملاءات روسية تخص اللجنة الدستورية وطريقة التعامل مع الموقف في شمال غربي سورية.

إلى ذلك، أكدت جهات مختصة بالتوثيق أن حجم المأساة في الشمال الغربي لسورية يكاد يصل إلى حدود الكارثة بكل أبعادها. وعلى هذا الصعيد، وثّق فريق "منسقو استجابة سورية" مقتل 1010 مدنيين، بينهم 281 طفلاً منذ بداية حملة قوات النظام وروسيا على الشمال الغربي السوري في الثاني من فبراير / شباط الماضي، وحتى يوم أمس. وأضاف الفريق الذي يضم ناشطين بمختلف المجالات، أن الحملة تسببت في نزوح أكثر من 103050 عائلة (670837 نسمة). وقدّر الفريق حجم الأضرار الاقتصادية نتيجة الحملة بنحو 466 مليون دولار، لافتاً إلى أن الضرر طاول مستشفيات ومراكز صحية ومدارس ومساجد ومنشآت تجارية وأسواقا. وسبق أن تعرّضت 8 مرافق للمياه للقصف في معرة النعمان خلال الشهرين الأخيرين، من بينها محطة الضخ الأساسية. وهو ما هدّد وصول المياه لحوالي ربع مليون مدني.

تعليق: