مثقفون في عام حصار قطر

05 يونيو 2018
الصورة
+ الخط -
ليس اكتمال عام على شن ثلاث دول عربية خليجية حصارا على جارتها دولة قطر، وبمشاركة مصر، مناسبةً فقط لاستدعاء حُزمٍ من رداءات الخصومة السياسية المبتذلة، كما اقترفها في هذا العام حكام ومسؤولون وطباخو قرارات "سيادية" في هذه الدول، وإنما أيضا مناسبة للتذكير بمباذل ومخازٍ تافهة ارتكبها مثقفون، أو أصحاب مواقع وحيثيات ثقافية، أو عاملون في قطاعات الثقافة وما يتصل بها في بلدانهم، ليس في التحاقهم الذيلي بأنظمة بلدانهم فحسب، فهذا متوطنٌ فيهم أصلا، وفي كثيرين غيرهم، وإنما أيضا في انحدارهم إلى مستوىً رثّ في التحريض الدعائي السمج.
من هؤلاء مثلا من عملوا من أجل مقاطعةٍ عربيةٍ واسعةٍ لمعرض الدوحة للكتاب في دورته التي انتظمت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ذلك أن تدبيرا إماراتيا نشط من أجل التأثير على دور النشر العربية، لكي لا تشارك بإصداراتها في المعرض، وحاول استصدار قرارٍ من اتحاد الناشرين العرب بذلك، غير أن ناسا محترمين ومهنيين في الاتحاد حرصوا على عدم توريطه في حسابات الأنظمة وأمزجتها، وصدّوا تلك المحاولة البائسة وأحبطوها. وفيما يمكن القول إن المعرض نجح إلى حد كبير، فإنه كان أمرا مؤسفا، ومخجلا، أن تغيب دور النشر المصرية، وكذا السعودية والبحرينية والإماراتية، عنه، بأوامر سياسيةٍ جعلتها تلتزم بمقاطعة دولة قطر. 

خاب الظن بوجود عقلاء في مصر والعربية السعودية والبحرين والإمارات، معنيين حقا بالثقافة، يُشهرون مواقف ترفض المقاطعة الثقافية لأهل قطر وسكانها. لم تُسمع أصواتٌ تنطق بأن تكون الثقافة عامل وحدةٍ وتوحيد، وأن تحوز مسافتَها اللازمة عن أفاعيل السياسيين، سيما من لون الذين استهانوا بمشاعر أهل الخليج ووجدانهم الموحّد، وابتدعوا قوانين وإجراءاتٍ تحرم هؤلاء العرب الجيران من التواصل الإنساني مع أشقائهم القطريين، وابتكروا عقوباتٍ مهولةً ضد من يستهجن استهداف هؤلاء الأشقاء. غابت أصوات المثقفين في الإمارات ومصر والبحرين والسعودية التي تولي ثقافة وحدة الشعوب وتقدّمها على مؤامرات أهل التآمر، وربما كان هذا يجد له تفسيرا، بالنظر إلى طبائع الأشياء والأمور في هذه البلدان، غير أن ما ارتكبه رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، رئيس اتحاد كتاب الإمارات، الشاعر حبيب الصايغ، في عام الحصار الذي يكتمل اليوم، ظل يثير أسئلةً لا تتوقف بشأن المدى الذي يمكن أن يصل إليه المثقف العربي في ذيليّته للسلطة في بلده، فقد أصدر هذا الرجل، فور إعلان قرارات "5 يونيو" إيّاها، بيانا بلغة الجنرالات، حظر فيه على كل المثقفين والكتاب في بلده (الإمارات) أي تواصلٍ على أي مستوىً مع أي مؤسسةٍٍ قطرية، وطالبهم بالالتزام التام بذلك تحت طائلة العقوبة.
كان مرجوّا من المذكور أن يفطن إلى موقعه صاحب مسؤوليةٍ معنويةٍ، بحكم موقعه أمينا لاتحاد الأدباء والكتاب العرب، فيدعو إلى تغليب العقل، وترشيد الخلاف السياسي، والترفع عن الابتذال في الخصومة والمناوشة، غير أنه آثر أن يمضي في ابتذاله المعلوم، فعقد اجتماعا للاتحاد العربي هذا، وإنْ قاطعته وغابت عنه بعض الاتحادات القُطرية الأعضاء، في مدينة العين الإماراتية، وأصدر باسم الاتحاد بيانا، بعد أيام من انفضاض هذا الجمع، دسّ فيه رفض الاتحاد ما قال إنه دعمٌ للإرهاب تمارسه دولة قطر، وتروّجه قناة الجزيرة، وذلك من دون أدنى حياء.
وفي مصر، انتدب الناقد والأستاذ الجامعي، صلاح فضل، لنفسه، دورا في حماية المثقفين في بلده من أي تأثيراتٍ قد تطرأ عليهم من دولة قطر، فأهاب بهم، وبالمؤسسات المصرية المعنية بالثقافة، أهليةٍ ورسميةٍ، مقاطعة أي نشاط ثقافي تقيمه أي جهةٍ ثقافية قطرية. وبدا الرجل صغيرا جدا في مسلكه ذاك، سيّما وأن قليلين ماشوه في أمره هذا، بل إن شبانا مصريين بادروا إلى مشاركةٍ واسعةٍ في المنافسة على جائزة كتارا للرواية العربية، وتقدّموا لها، بل وفاز منهم من فاز في بعض فئاتها. كما شارك شبابٌ مصريون آخرون في التنافس على جائزة شاعر الرسول التي ينظمها الحي الثقافي في الدوحة "كتارا". وكأن هؤلاء وأولئك لم يسخّفوا بدعة صلاح فضل فقط، وإنما أيضا يزدرون ما يمثّله هذا المثقف الذي كان يوما محلّ احترام، لجدية بعض جهوده النقدية.
هي وقائع ومحطاتٌ من بين كثيراتٍ غيرها استدعاها مرور عامٍ على مقاطعة دولةٍ عربيةٍ وحصارها، وشارك فيهما ناسٌ مشتغلون بالثقافة أيضا.