متلازمة كيمنتس

14 سبتمبر 2018
مع انهيار جدار برلين وهروب الآلاف من الألمان باتجاه الغرب، فقد آلاف آخرون الإحساس بالأمان. آلاف من المؤمنين جداً بالشيوعية والاشتراكية ممن عاشوا حياتهم على مبادئ كارل ماركس والثورة البلشفية، ومشوا على خطى لينين وستالين، وجدوا أن كل ما يؤمنون به قد انتهى بكل بساطة. من جيلٍ أولٍ عايش المأساة الاقتصادية وصعود النازية، ليصبح بعدها محارباً لأجل "ألمانيا فوق الجميع"، إلى جيل ثان شاهد انتهاء حقبة الآباء وسقوط أفكارهم ومعتقداتهم السياسية، لتبدأ فترة جمهورية ألمانيا الديمقراطية كجزء من المنظومة السوفييتية. 

جيل ثان خاض الحرب الباردة وهتف لموت أميركا، وتبنى الخطاب الاشتراكي ليجد نفسه خلال ساعات في حضن الولايات المتحدة وأعداء السوفييت. ثلاثة عقود من الحكم النازي، وأربعة عقود أخرى من الحكم السوفييتي، وثم الانفتاح المفاجئ، جعل من شرق ألمانيا مكاناً مختلفاً تماماً عن أيّ بقعةٍ جغرافية في أوروبا.

أحد البرامج الساخرة التي يبثها التلفزيون الألماني قام بإجراء تغطية ميدانية لإحدى المظاهرات المناهضة لزيارة المستشارة الألمانية لإحدى المدن الألمانية التي يحظى فيها اليمين الشعبوي بتأييد ملحوظ. إلا أن المذيعة قامت بإجراء مقابلات مع المتظاهرين على أنها تمثل إحدى الوسائل الإعلامية الروسية متحدثة بلكنة أقرب للروسية من الألمانية، فكانت إجابات المستطلعة آراؤهم صادمة، لدرجة أن إحدى المتظاهرات خاطبت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلة "سيد بوتين تعال ونظف دريسدن لأجل ألمانيا!".

عايش شعب ألمانيا الشرقية انهيارين من أكبر الانهيارات الإيديولوجية في التاريخ الحديث. إلا أن وقع انهيار النازية بكل ما فيه من شدة وألم على أتباع هتلر، لم يكون كقوة وقع انهيار الاتحاد السوفييتي على أتباع المدرسة السوفييتية في ألمانيا الشرقية. فالنازية انتهت بعد أن جلبت الدمار لنصف أوروبا مخلفةً الملايين من القتلى والجرحى واللاجئين. أما جلاء السوفييت عن ألمانيا، فكان في ليلة وضحاها.

الكثير من عملاء الأمن السري انتحروا كحال الكثيرين من القيادات النازية. إذْ لم يصدقوا أن الجدار الذي يفصلهم عن الحضارة قد تلاشى. لم يصدقوا أن غالبية الشعب تهتف "نحن الشعب"، وتتجه "نحو الأعداء في الغرب".

في تلك الأثناء، كان رجل الاستخبارات الروسية في ألمانيا الشرقية والرئيس الحالي لروسيا الاتحادية فلاديمير بوتين يشاهد احتراق الأعلام السوفييتية من شباك شقته في دريسدن، عاصمة مقاطعة سكسونيا الحالية، ويتابع انتهاء الحقبة السوفييتية في إحدى أهم مراكز قوة الاتحاد السوفييتي آنذاك، أي في البقعة الجغرافية التي تشهد اضطرابات دائمة ضد الأجانب، أعنفها كان في الأسابيع القليلة الماضية حيث وصلت حدة الاضطرابات لقيام بعض المنتمين لليمين الشعبوي بملاحقة الأجانب في شوارع كيمنتس، مدينة كارل ماركس، إحدى مدن مقاطعة سكسونيا.

على الرغم من أن مكسب بوتين المادي بعد فترة خدمته في ألمانيا الشرقية، كان مجرد غسالة قديمة تم إهداؤها له من قبل أصدقائه الألمان، حسب رواية الكاتبة الروسية ماشا جيسين، إلا أن بوتين قد اكتسب ما هو أهم من هيمنته السابقة على تلك البقعة الجغرافية، هي شبكة من العلاقات مع من خسروا مناصبهم المرموقة بعدما ولى عهد السوفييت. لكنهم ما لبثوا أن تابعوا ازدهارهم الشخصي والسياسي من خلال اكتسابهم لأماكن جديدة في روسيا الجديدة.

اليوم يحاول أصدقاء الماضي خدمة صديقهم الوفي. يحاول أصدقاء الماضي البرهنة على أن صديقهم لم يرجع إلى وطنه بغسالة يزيد عمرها عن العقدين عاجزة عن غسل عار الحقبة السوفييتية، بل أيضاً بخزانة خشبية عفنة قادرة على حفظ أقذر الأسرار.