ما بقي من حي تشرين

06 مارس 2017
الصورة
نازحة في الغوطة (عامر ألموحيباني/ فرانس برس)
+ الخط -
يعدّ حيّ تشرين أحد الأحياء العشوائيّة الفقيرة التي بدأت تتشكّل منتصف القرن الماضي في محيط العاصمة السوريّة دمشق، ويبعد عن قلب العاصمة نحو أربعة كيلومترات إلى الشمال الشرقي. وفيه العديد من المباني المخالفة، التي لا هويّة عمرانيّة لها، إذ كان ملاذاً للفقراء من مختلف المناطق السوريّة، خصوصاً القلمون والساحل، في ظلّ تنامي النزوح الداخلي من الريف إلى المدينة قبل عقود، وقد عانت أجيال عدّة من تهميش كامل شأن أحياء ومناطق أخرى في دمشق أو في غيرها من المدن السورية الكبرى.

يقول رئيس المجلس المحلّي في حيّ تشرين، براء الدمشقي، لـ "العربي الجديد"، إنّ بناء المنازل المخالفة في منطقة حيّ تشرين بدأ قبل نحو 70 عاماً تقريباً، وقد بلغ عدد سكان الحي قبل الثورة السوريّة في عام 2011 نحو 125 ألف نسمة، وسكنه عمال وموظّفون وحرفيّون وباعة متجوّلون فقراء، بسبب سهولة الوصول إلى أماكن عملهم في العاصمة. ويلفت إلى أنّه خلال السنوات الأخيرة التي سبقت الثورة، بدأت العائلات تهتم أكثر بالتعليم، في محاولة منها للتغلب على الفقر. ومع انطلاق التظاهرات في درعا وامتدادها إلى مختلف المناطق السورية، اختار أبناء الحي المشاركة فيها والمطالبة بالحرية والكرامة والمساواة، وكانت النتيجة تعرّض الحيّ للعديد من حملات المداهمة والاعتقال في منتصف عام 2011، تلتها حملة عسكرية واسعة واجتياح بري شمل حيّي برزة و القابون المجاورين، ووقعت مجزرة راح ضحيّتها المئات. "لم نتمكّن من توثيق العدد بسبب قرب أماكن تصفيتهم من الآلات العسكرية ودفنهم في مقابر جماعيّة للنظام. إلّا أنّ العدد التقريبي للضحايا قدّر بنحو 400 شهيد، بالإضافة إلى عسكريّين حاولوا الانشقاق، وقد عمل النظام على إخفاء معالم جريمته، في وقت كان الأهالي ينزحون بشكل متزايد".


يضيف الدمشقي أنّ "الحيّ خرج عن سيطرة النظام في سبتمبر/ أيلول عام 2012، بعدما عاد الثوّار وسيطروا عليه. بعدها، حوصر حتى بداية عام 2014. خلال هذه الفترة، عاش الأهالي ظروفاً مأساويّة من جرّاء نقص المواد الغذائية والطبية. ولم ينته الحصار إلّا بعد توقيع الثوار على اتفاق مع النظام في برزة، ليفتح معبر من برزة إلى الحي، وتدخل مواد غذائية وغيرها". يتابع: "بعدها، عادت العديد من الأسر المهجرة من حرستا ومدن الغوطة الشرقية إلى حي تشرين، ليصل عدد سكان الحي قبل الحملة الأخيرة إلى نحو 35 ألف نسمة". ويوضح: "الاشتباكات وعمليّات القنص استمرّت، لكن ليس كباقي الجبهات".

يقول الدمشقي إنّه في تاريخ 18 فبراير/ شباط الماضي، وبعد محاولات عدّة للتفاوض لتسليم المنطقة وتهجير العائلات والثوار من دون سابق إنذار، تعرّض الحي إلى حملة قصف مكثّفة وممنهجة، أدت إلى سقوط 24 شخصاً وجرح نحو 70 آخرين، بالإضافة إلى تدمير المباني السكنيّة والبنى التحتيّة". يضيف أنّ استمرار القصف الكثيف وسياسة الأرض المحروقة أدت إلى تدمير نحو 70 في المائة من الحي، وشمل التدمير النقطة الطبية الوحيدة. بعدها، أعلن المجلس المحلي الحي منطقة منكوبة، وقد نزح مدنيون إلى مدن وبلدات الغوطة الشرقية، فيما توجه آخرون إلى مناطق خاضعة لسيطرة النظام، أو إلى حي برزة. وما زال القصف مستمراً، ولم يبق في الحي إلّا مائة عائلة تقريباً.

وحول غاية النظام من الحملة الأخيرة، يقول رئيس المجلس المحلي إنّ "النظام يريد أن يفرض علينا التسليم والخنوع والترحيل". ويعيش من بقي من أهالي حيّ تشرين اليوم في ظلّ أوضاع إنسانيّة سيّئة للغاية، من جرّاء النقص الشديد بالمواد الغذائية ومياه الشرب والمحروقات نتيجة القصف المتواصل. ويمضي الأهالي معظم أوقاتهم في أقبية غير مجهزة بأبسط الاحتياجات الأساسية. هم ينتظرون مصيرهم، لكنّ تلك الأوضاع التي يعيشونها اليوم لا تبشّر بكثير من الخير.

موقع استراتيجي
أكثر ما يُشغل بال أهالي حي تشرين اليوم هو مصيرهم المجهول، خصوصاً إذا ما عزم النظام على تهجيرهم. وترى مصادر معارضة في دمشق أنّ "النظام يريد تأمين العاصمة من جميع جهاتها، عبر فرض سيطرته على جميع معاقل المعارضة في دمشق وريفها"، علماً أنّ أهمية حي تشرين تكمن في موقعه الاستراتيجي قرب بوابة دمشق الشرقية.