ما بعد قتل سليماني: تداعيات داخلية وخارجية في واشنطن

ما بعد قتل سليماني: تداعيات داخلية وخارجية في واشنطن

05 يناير 2020
قد تعود السياسة الخارجية إلى السباق الرئاسي (بول هينيسي/Getty)
+ الخط -

هناك تداعيات داخلية وخارجية في واشنطن لم تكتمل بعد، لعملية قتل قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني، وستبدأ ارتداداتها تظهر تباعاً داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وفي السباق الرئاسي، وكذلك في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

أولاً، يُخفي التجانس داخل إدارة ترامب تساؤلات حول المعلومات الاستخبارية التي توفرت لتبرير إطلاق الزناد وقتل سليماني في هذا التوقيت. هناك حديثٌ عن تخطيط سليماني لعمليات وشيكة ضد دبلوماسيين وعسكريين أميركيين، من دون إعطاء تفصيل عن هذه المعلومات، أو تقديم روايةٍ متماسكة يمكن الاعتماد عليها. مصادر الإدارة الأميركية لمّحت إلى أن أهداف خطط قائد "فيلق القدس" السابق كانت في لبنان وسورية، لكن هذا مستبعد في ظلّ الدينامية الحالية في هذين البلدين، كما لفت موظفون في الكونغرس إلى أن المعلومات الاستخبارية التي حصل عليها المشرعون الأميركيون، ليس فيها أي جديد يربط سليماني بأي هجومٍ وشيك. حتى تكشف إدارة ترامب المزيد من المعلومات التي تبرر ما قاله الرئيس الأميركي من أنه أعطى الضوء الأخضر لعملية القتل لمنع سليماني من تنفيذ مخططٍ كان سيؤدي إلى حرب بين واشنطن وطهران، سيسأل الكونغرس والإعلام الأميركي في المرحلة المقبلة عن ماهية هذا المخطط الكبير، الذي يبرر احتمال أخذ الولايات المتحدة إلى حافة الحرب.

وهناك تماهٍ بين نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو وقائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي الجنرال كينيث ماكينزي، للدفع نحو سياسة أكثر تشدداً حيال النظام الإيراني، لكن نواياهم تطرح بعض التساؤلات، في ظلّ تحالف الإنجيليين في إدارة ترامب مع اللوبي الداعم لإسرائيل في واشنطن. بنس غرّد عبر "تويتر" كلاماً مستغرباً يثير الشكوك حول صدقية مشورته لترامب في قضيةٍ بهذا الحجم، إذ اتهم سليماني بأنه "ساعد في السفر السرّي إلى أفغانستان لعشرة من أصل 12 من الإرهابيين الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية في الولايات المتحدة". كما أشار إلى أن سليماني "نظّم محاولة اغتيال" السفير السعودي السابق لدى واشنطن عادل الجبير في واشنطن عام 2011، لكن أقر مسؤولون أميركيون حينها أن ليس لديهم أي أدلة حسّية أن سليماني يعلم عن هذا المخطط.

تحركات بومبيو الدبلوماسية توحي منذ فترة أنه يركز على تقليص احتمالات التفاوض النووي مع طهران، وأنه يريد تعزيز التحالف العربي - الإسرائيلي ضد إيران. والجنرال ماكينزي أولويته رفع عدد الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط، وفرض معادلة ردعٍ في وجه إيران، ويرى في بنس وبومبيو حليفين طبيعيين له، في ظلّ موقف وزير الدفاع مارك إسبر الذي يرى بدعمٍ من ترامب أنه يجب نقل تركيز الموارد الأميركية من الشرق الأوسط، للتركيز على الصين وروسيا. هذا التجانس في دائرة ترامب لم يكن هناك رادع له في البنتاغون كما كان الحال مع وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، وبالتالي كانت مهمة إقناع ترامب بقتل سليماني أسهل.

ثانياً، في العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس في ظلّ بروز النقاش التقليدي حول من لديه صلاحيات لإعلان حرب، بحيث أعاد قتل سليماني إلى أذهان الكونغرس ذاكرة ظروف التورط الأميركي في العراق عام 2003. مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية أقر العام الماضي مشروع قانون يقيد التمويل الفدرالي لأي عملٍ عسكري ضد إيران، لكنه لم يمر في مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية ضمن قانون إقرار الدفاع الوطني الذي صادق عليه الكونغرس العام الماضي. أعاد الديمقراطيون في مجلس الشيوخ إحياء فكرة مشروع القانون هذا، لمنع تمويل أي هجوم عسكري على إيران من دون تفويض مسبق من الكونغرس. كما اقترح السيناتور الديمقراطي تيم كاين مشروع قانون آخر، ينص بشكلٍ صريح على أن أي عمل عدائي ضد إيران يحتاج إلى تفويض إعلان حرب من الكونغرس، أو تفويضٍ محدد لاستخدام القوة العسكرية.

التحالف بين الديمقراطيين والجمهوريين في مجلس الشيوخ تمكّن من الضغط على البيت الأبيض في قضايا مثل السعودية وتركيا وسورية، لكن هذا الإجماع مفقود في ما يتعلق بإيران، وبالتالي مشاريع القوانين هذه لن تمر في ظلّ هذا الانقسام في مجلس الشيوخ. يلوم الديمقراطيون إدارة ترامب على أنها أوصلت التوتر الأميركي - الإيراني إلى ذروته نتيجة انسحابها من الاتفاق النووي مع طهران، وأنها تجر واشنطن مع قتل سليماني إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط من دون موافقة الشعب الأميركي أو ممثليه في الكونغرس. مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض روبرت أوبراين يقول إن اغتيال سليماني يندرج ضمن تفويض استخدام القوة العسكرية ضد العراق الذي أقره الكونغرس عام 2002، وكان الأساس التشريعي الذي سمح لإدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن غزو العراق عام 2003. طبعاً هذا الربط بين اغتيال سليماني وقانون عام 2002 لا أساس قانونياً له، لاسيما في ظلّ اعتبار إدارة ترامب أن صلاحياتها مطلقة في السياسة الخارجية. الرئيس الأميركي ليس ملزماً قانونياً بالتشاور مع الكونغرس حين يرى أن هناك حالة طارئة تستوجب اتخاذ إجراءات عسكرية لحماية المصالح الأميركية. وخلال العقود الأخيرة، كان للرئيس السلطة الدستورية لإعلان الحرب وليس الكونغرس، لكن تشاور الرؤساء تاريخياً مع الكونغرس قبل الدخول في مواجهات عسكرية خارجية.

قانون صلاحيات الحرب ينص أن على الرؤساء الأميركيين إنهاء الأعمال العسكرية في غضون 60 يوماً، إلا إذا أعطى الكونغرس تفويضاً باستمرارها، لاسيما أنه وحده قادر على توفير تمويل فدرالي لحملات عسكرية خارجية. التحفظ الديمقراطي هو أنه لم تبلغ إدارة ترامب مسبقاً ما يسمى بـ"عصابة الثمانية" في مجلس الشيوخ، أي أكثر الأعضاء أهمية في قضايا الأمن القومي، عن خطة قتل سليماني، في وقت أطلع فيه الرئيس الأميركي صديقه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على هذه العملية قبل حصولها خلال تواجد الأخير في منتجع ترامب في فلوريدا.

ثالثاً، بعدما غابت السياسة الخارجية حتى الآن عن السباق الرئاسي الأميركي، قد تعود القضايا الدولية إلى الواجهة من بوابة التصعيد الأميركي- الإيراني في العراق. ترامب سيستغل قتل كلٍّ من زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي وسليماني في حملاته الرئاسية في ظلّ غياب أي إنجازات جدّية له في السياسة الخارجية خلال ولايته الأولى. منافسه الديمقراطي جو بايدن قد يستفيد من هذا التصعيد في الشرق الأوسط، للترويج بأنه أكثر المرشحين خبرةً في قضايا الأمن القومي، لمواجهة ترامب في الانتخابات العامة، لكن إذا حصلت المواجهات العسكرية فعلياً، لا يقترع الأميركيون عادةً لتغيير رئيسهم خلال فترة حرب. الانقسامات بدأت في الانتخابات التمهيدية عند الديمقراطيين، إذ انتقد المرشح مايكل بلومبرغ اعتبار منافسه السيناتور بيرني ساندرز أن قتل سليماني هو "عملية اغتيال"، لأن لدى قائد "فيلق القدس" السابق "كمية فظيعة من الدم الأميركي على يديه". لكن في ظلّ نفوذ التيار اليساري، سيكون مرشحو الرئاسة عند الديمقراطيين أكثر رفضاً لأي مغامرة عسكرية مع إيران، فيما سيعتبر ترامب نفسه أكثر تشدداً في قضايا الأمن القومي.

عملية قتل سليماني ساهمت بزيادة سعر برميل النفط 3 في المائة يوم الخميس الماضي، فيما تراجعت الأسواق المالية أكثر من 200 نقطة، باستثناء أسهم شركات صناعة الأسلحة الأميركية التي ارتفعت، لكن تعزز في الوقت نفسه الانخفاض في معدلات سعر الفائدة، ما يعطي دفعاً لسوق العقارات في الولايات المتحدة. الأسواق الأميركية تترقب حالياً رد الفعل الإيراني، لكن التأثيرات السلبية على الاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية ستكون حادة من دون شك في حال توسعت أعمال العنف، أو حصلت مواجهات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقتٍ وصل فيه الدين العام الأميركي إلى 22.7 تريليون دولار. حسابات الاقتصاد الأميركي عاملٌ رئيسي في السباق الرئاسي، لأنها خط الدفاع الأول لحملة ترامب واحتمال تجديد ولايته.

رابعاً، هناك تداعيات على السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة. يمكن توقع زيادة التنافس السياسي وسقوط الترتيبات الضمنية بين الطرفين الأميركي والإيراني في المدى المنظور، ما يعني تسريع تشكيل الحكومة اللبنانية التي ستكرس الأمر الواقع الجديد، وتعميق أزمة الحكم في العراق. مقتل سليماني ستكون له تداعيات على مستقبل العلاقات الأميركية - العراقية، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى تسريع انسحاب القوات الأميركية من العراق. إذا فشل الردع الأميركي لإيران بعد العقوبات الاقتصادية وعملية قتل سليماني، الخيارات المتبقية هي المواجهة العسكرية المباشرة أو اللجوء إلى تسوية أو معركة استنزاف طويلة الأمد. عدد الجنود الأميركيين في المنطقة يقترب من 20 ألفاً، وهي وضعية دفاعية جاهزة للتدخل دفاعاً عن المصالح الأميركية، لاسيما المقرات العسكرية والدبلوماسية، لكن إدارة ترامب تبدو لوحدها في هذه المواجهة السياسية على الساحة الدولية، إذ يترك حلفاؤها مسافةً منها في ما يتعلق بقتل سليماني.

ليس واضحاً بعد إذا ما أدرك ترامب كل هذه التداعيات لحظة اتخاذه قرار تغيير قواعد الاشتباك مع إيران. قتل سليماني قد يؤدي إلى تغييرات عكسية لما يطرحه ترامب من عقيدة خارجية ترفض الحروب والتورط في نزاعات خارجية، ويضع واشنطن أمام اختبار المواجهة مع طهران، في معركةٍ تحتاج إلى نفسٍ طويل لا يبدو متوفراً في واشنطن في ظلّ رئيسٍ يرى أن لا معركة أهم حالياً من تجديد ولايته الرئاسية. تحاول إدارة ترامب الآن إدارة أزمة تداعيات هذا الاغتيال عبر الدبلوماسية، ومن خلال رسائل إلى طهران عبر وسطاء، لكن السؤال هو ما سيكون حجم ومكان وتوقيت الرد الإيراني إذا حصل، وهل ستستوعبه واشنطن أو تدخل في حلقة مفرغة من الفعل وردود الفعل. إيران أيضاً تلقت صفعةً كبيرة بمقتل أبرز رموز نظامها، وأي إفراط في الانتقام قد يرتد عليها، وعلى الأرجح ردها سيكون على مراحل، وفي أكثر من مكان. في المحصلة، ترامب لا يتعمّد الذهاب إلى حرب، ولا القيود الداخلية تسمح له بخوض مواجهة مباشرة مع إيران، لكن انعدام الثقة بين الطرفين الأميركي والإيراني، وغياب أي قنوات تواصل مباشرة، يزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود والحسابات الخاطئة.