ماذا يقول كتّاب اليمن عن الحرب

07 يوليو 2019
الصورة
("الحرب في اليمن"، رسم: بول بلو)
+ الخط -

في السابع من نيسان/إبريل الماضي، أفاق اليمنيّون على وقع انفجارات استهدفت "مدرسة الراعي" في منطقة سعوان السكنية بصنعاء، خلّفت ثلاثة عشر قتيلاً غالبيتُهم من الأطفال، إضافةً إلى قرابة تسعين جريحاً، وسْط تضارب المعلومات بشأنها؛ بين من يقول إنها قصفٌ للتحالف السعودي الإماراتي الذي يخوض حرباً على البلاد منذ 2015، ومن يقول إنها انفجارٌ لمخزن ألغام للحوثيّين.

بغضّ النظر عن مرتكِب تلك المجزرة التي أُضيفت إلى قائمة المجازر التي يشهدها اليمن منذ أربع سنوات، وكثيراً ما يتبادل أطراف النزاع المسلَّح الاتهامات بالمسؤولية عنها، فقد أثارت استنكاراً واسعاً من اليمنيّين وتعاطفاً مع ضحاياها الذين كان معظمهم من تلاميذ المدارس.

لم يكُن كتّاب اليمن وشعراؤها بمعزلٍ عن تلك الحالة؛ فرغم أنّ الخلافات كثيراً ما تطغى على مواقفهم الأيديولوجية والسياسية، فإنّهم غالباً ما يجتمعون على رأيٍ واحد حين يتعلّق الأمر بالموت الذي لم يعُد يوفّر أحداً في يمن الحرب، أو بتعبير أدقّ؛ حين يتعلّق الأمر بالقتل الجماعي الذي بات مشهداً متكرّراً في البلاد.

على صفحته في "فيسبوك"، علّق الشاعر اليمني جميل مفرّح على مشهد أمٍّ تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صورها وهي تندب صغيرتها التي قُتلت داخل المدرسة خلال الانفجار: "في اليمن فقط يموت الناس مرّتَين". كانت الأم تصرخ: "بنتي ماتت جاوعة (جائعة)". يُضيف مفرّح: "لم يتوقّف جسدي عن الارتعاش للحظة واحدة. منذ أوّل الليل وصدى هذه العبارة يتردّد في حواسي".

أمّا الكاتب والمؤرّخ أحمد النبهاني، فاعتبر، في منشورٍ له على الموقع نفسه، أنَّ صوت الطفلة القتيلة اخترق السماوات؛ إذ كتب قائلاً: "هذه الطفلة التي تحوّلت إلى أشلاء ستشتكي إلى الله وتخبره بكلّ شيء عن هذه الحرب المجنونة، وعن ضحاياها من المدنيّين والأطفال والنساء والشيوخ".

وأمّا الكاتب والصحافي بكر علوان، فيكتبُ مشهداً متخيّلاً بعد مرور عشر سنواتٍ من الحادثة: "في 2030، ستأتي تلك الطفلة التي هرعت تبكي بعد خروجها من المدرسة، ستقول إنها فقدت أغلى ما تملكه: صديقاتها. ستبكي مجدّداً عليهن، وستأتي الأمُّ التي عمّ الشعر الأبيض رأسها، وستخبر أولادها بأن لهم أختاً فُقدت في إبريل. لن يُصدّقوها ظنّاً أن الموضوع كذبة إبريل، وحينما تنساح العبرة على وجنتها، سيبكون حولها مرّتَين. أمّا الأب، الذي سمع بمقتل ابنته الوحيدة، فستقتله رصاصة الحرب، وهو يقول: هنا اليمن. حينها، سيُذكّرني مارك بهذا المنشور، وسأكون قد لَعنت من تسبّب في الحادثة أحد عشر عاماً، وذكرت أنهم أولاد حرام لأحد عشر عاماً".

من جهته، اختار الروائي عبد الله عباس الإرياني أن يكتب قصّة قصيرة جدّاً عن الحادثة، يقول فيها: "بنتي قتلوها جائعة، كانت مستعجلة! خافت من باب موصد عند الثامنة صباحاً. وعند العاشرة قتلها صاروخ خرج من طائرة؛ كان أسرع من صوت يناديها: نسيتِ يا ابنتي لقيمات تسدّ رمقك! لم يعد منها، وزميلاتها، إلّا بقايا تناثرت على درجات سلّم مدرسة! درجات ستلعنهم مادام في كلّ مدرسة سلّم؛ في كلّ عمارة؛ ما دام في كلّ صدرٍ قلبٌ ينبض".

بينما قال الكاتب في أدب الطفل، طلال منير، إنَّ همّه كان مضاعفاً، فإلى جانب أنه أحد سكّان الحيّ الذي تقع فيه "مدرسة الراعي" المنكوبة، كان مؤلماً أن يكون الضحايا من الأطفال الذين يعتبرهم بمثابة أصدقاء له، مضيفاً: "لم أستطع الكتابة أو التعليق؛ فالشعور بالحزن جعلني ألزم مكاني حتّى اللحظة... أفكّر في كلّ الأهالي الذين فقدوا أطفالهم، وفي بشاعة ما يحدث".

ليست حادثة سعوان وحدها التي يُصنّفها اليمنيّون كجريمة إبادة جماعية؛ فقد استهدفت صواريخ التحالف قبل ذلك عرساً في قرية سنبان بمحافظة ذمار، ومجلس عزاء في مديرية أرحب بصنعاء، وقاعة عزاء جنوب صنعاء، ومدينة المهندسين في المخا بتعز، ومخيّمات النازحين في محافظة حجّة، وذلك غيضٌ من فيض المجازر الجماعية التي سقط فيها عشرات القتلى ومئات الجرحى، واعتبرت قوّات التحالف أنّها كانت نتيجة "أخطاء"، بعد إنكار ارتكابها لأيّام.

معلّقاً على مجزرة حيّ الرقّاص وسط صنعاء التي ارتكبتها قوّات التحالف، منتصف أيار/مايو الماضي، كتب عبد المجيد التركي: "أتخيّل سبعين جثّة يمنية مشوية على مائدة سلمان بن عبد العزيز.. التمرة في يده، وهو بانتظار أذان المغرب فقط، ليقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت". وفي منشور آخر له، كتب: "لكثرة دماء أطفال اليمن وسورية والعراق، سيكون هناك نهر من الدم في الجنّة مكتوبة فيه أسماؤهم".

ويصف الشاعر يحيى الحمّادي فتاةً مقتولة تظهر في صورة وعلى صدرها لوحةٌ مكتوب عليها عبارة "مجهولة"، بأنها "كالبلاد مجهولة ومخذولة"، محمّلاً الرئيس اليمني المقيم في الرياض، عبد ربه هادي، مسؤولية هذا الموت الذي ما كان ليحدث لولا سبات تلك القيادة وصمتها عمّا يفعله التحالف بأطفال اليمن منذ سنوات، وفق تعبيره.

تلك بعضٌ من كتاباتٍ عددٍ من الشعراء والكتّاب اليمنيّين الذين تفاعلوا مع مشاهد الموت في بلادهم، وهم الذين أعلنوا موقفهم الرافض للحرب التي يرون أنّها مفروضةٌ عليهم، ومنهم من حذّر منها حتّى قبل وقوعها، منبّهاً إلى أنَّ الطائفية والمناطقية والعنصرية والعرقية ستكون بمثابة وقودٍ لحرب بلا نهاية.

من بين هؤلاء الشاعر عبد العزيز المقالح الذي كتب: "ليست الحرب باباً لصبحٍ جميلٍ كما يزعم أصحابها، وليست باباً إلى الله وجنّته، بل هي باب إلى الموت... إلى قتل المشاعر وإلى المحرقة".

واللافت أنَّ كثيراً من هؤلاء لا يتوقّفون كثيراً عند الجهة التي ترتكب هذه المجزرة أو تلك، بما أنّهم يعتبرون الجميع مسؤولاً عنها، مفضّلين التوقُّف عند جوانبها الإنسانية؛ أي بوصفها حرباً لا تُخلّف سوى مزيدٍ من المآسي والضحايا الأبرياء.

المساهمون