ماذا بعد حفتر؟

11 يونيو 2020
الصورة
اختفاء حفتر التدريجي لن يكون بشكل رسمي ومعلن (Getty)

انتهى اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر. ولم يكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نسخة حفتر الأصلية، هو الذي أعلن نهايته ضمنياً، السبت الماضي، فقد كانت ملامح ومؤشرات نهايته تتوالى من خلال ساعات الصفر الفاشلة، مروراً بالانسحابات التكتيكية، وأخيراً انقلابه على كل المشهد، بما فيه مجلس النواب في طبرق، الذي ضمن له الوجود في الواجهة. لكن ماذا بعد؟

اختفاؤه التدريجي، والذي لن يكون قطعاً بشكل رسمي ومعلن، ستكون أولى تبعاته بقاء آثار نكبته على البلاد، وستتناول الأطراف الإقليمية والدولية معالجة ما يتعلق بمصالحها، سياسياً واقتصادياً، لكن أياً منها لن يلتفت للآثار الوخيمة والخطيرة اجتماعياً التي لن يراها غير الليبيين، وإن وصفتها بعض التقارير بـ"الشروخ"، لكنها أعمق من ذلك بكثير. حالات الانتقام والعبث والفوضى والاعتداء والسرقات التي تشهدها مدينة ترهونة، رغم مرور أكثر من أسبوع على تحريرها من قبضة مليشياته، حالة متكررة لاعتداءات حفتر على النسيج الاجتماعي وضرب القبائل والمدن بعضها ببعض، ولا تزال تعاني منها مزرق، في الجنوب، على سبيل المثال، رغم مرور أكثر من عام على سيطرة حفتر عليها.

وتشير المقارنات بين آثار تركة حفتر وآثار نماذج عسكرية في بلدان أخرى، إلى أن حالة الصراع بسبب التشظي الاجتماعي ستستمر، ما لم يتم تداركها بـ"عقد اجتماعي" يحفظ الأرواح والمصالح، ويفضي إلى تفاهمات العيش المشترك، وتحديداً في شرق البلاد، الذي يبدو أنه يتوجه لتكرار حالة سرت، معقل معمر القذافي الأخير، بعد سقوط نظامه في العام 2011، وأفضت فيها حالة الحنق والسخط الاجتماعي المكتوم بين مكوناتها إلى قبول حواضن اجتماعية، بهدف الانتقام، واستقبال أفراد من تنظيم "داعش"، تنامى خطرها بمرور الأيام لتتحول إلى مصدر قلق دولي.

قبل أيام، وما إن كشف حفتر عن ضعفه، حتى تشجعت أصوات، لم يكن لها أن تتكلم طيلة أعوام، ورفعت من معارضته، ورفض دعمه، بل حاولت سحب البساط من تحته عندما كانت تعلن دعمها لما يعرف بـ"الجيش"، دون أن تذكر اسمه حتى، مقابل الإشارة إلى أن رئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح، يمتلك صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة. وما إن ظهر حفتر على يسار السيسي، في إشارة إلى نزوله درجة في سلم اهتمامات حلفائه، حتى طافت أعلام برقة الفدرالية في طرقات بنغازي، وبالقرب من المرج، معقل حكمه العسكري، على يد أبناء قبيلة العواقير، أحد أبرز المنادين بالحكم بالفدرالي، والتي داهم حفتر مقراتها العسكرية قبل سنوات. لن يكون الطريق للوفاق سهلاً من خلال شخصيات عسكرية أو سياسية، لا تملك رصيداً شعبياً ومشروعاً وطنياً حول طاولة التفاوض. فمع تعدد الأطياف المسلحة التي تركها حفتر، سيكون من العبث أن يجلس خمسة عسكريين فوضهم في السابق للحديث عن وقف إطلاق النار، وستبقى مخرجات وتفاهمات أي طاولة سياسية حبيسة أوراقها، دون فعل على الأرض.