ماتيس يترك المركب الغارق: قلق دولي من تفرد ترامب

22 ديسمبر 2018
الصورة
خلافات كثيرة وقعت بين ماتيس وترامب (درو أنغرير/Getty)
+ الخط -


مرة جديدة، يطيح تفرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقرارات، ورفضه نصائح مسؤولي إدارته، بأحد أهم أركان الإدارة الأميركية، وهو وزير الدفاع جيم ماتيس، الذي قدّم استقالته، مستبقاً ما يبدو قراراً متوقعاً بإقالته. وعلى الرغم من أن قرار ترامب الانسحاب بشكل كامل من سورية، كان الدافع الأخير لماتيس لحسم خياره، إلا أن عوامل عدة تراكمت دافعةً الوزير إلى المغادرة.
وفيما يمكن وصف الاستقالة بأنها أول التداعيات الداخلية الأميركية لقرار ترامب سحب قواته من سورية، بعدما حاول ماتيس دفع رئيسه للتراجع عنه، فإنها تقدّم كذلك صورة جديدة عن "الانهيار" في الإدارة الأميركية، مع استقالات وإقالات غير مسبوقة في أي إدارة بالبيت الأبيض. إضافة إلى ذلك، فإن تداعيات رحيل ماتيس لن تقتصر على الداخل، وهو ما برز بتصاعد مواقف دول حليفة قلقة من هذا التطور.

ولم يُخف ماتيس في قرار استقالته خلافه مع ترامب، علماً أنه سعى دوماً بمواقفه المعتدلة إلى التخفيف من وطأة مواقف الرئيس الارتجالية. وفي رسالة بعث بها إلى ترامب، قال ماتيس إن نظرته إلى العالم التي تميل إلى التحالفات التقليدية والتصدي لـ"الجهات الخبيثة" تتعارض مع وجهات نظر الرئيس. وأضاف: "لأنه من حقك أن يكون لديك وزير دفاع، وجهات نظره تتوافق بشكل أفضل مع وجهات نظرك حول هذه القضايا وغيرها، أعتقد أنه من الصواب بالنسبة إليّ أن أتنحى عن منصبي". وأثنى ماتيس على التحالف الدولي في محاربة تنظيم "داعش" وعلى حلف شمال الأطلسي، الذي لطالما شكك ترامب في جدواهما نظراً للكلفة العالية التي تتحملها بلاده. وكتب ماتيس: "إن وجهات نظري حول معاملة الحلفاء باحترام، وأيضاً أن نكون واضحين بشأن الجهات الفاعلة الخبيثة والمنافسين الاستراتيجيين، تأسست بناء على معلومات تمتد على مدى أكثر من أربعة عقود من العمل من كثب على هذه القضايا".

وأعلن ترامب في تغريدة على "تويتر" ترك ماتيس المنصب، وقال إنه سيرشح وزيراً جديداً قريباً. وقال: "سيتقاعد الجنرال جيم ماتيس في نهاية فبراير/شباط، بعد أن خدم في إدارتي وزيراً للدفاع على مدى العامين الماضيين". وكال المديح لوزير دفاعه، فنسب إليه الفضل في تسجيل "تقدم هائل". ومن المرشحين المحتملين لتولي المنصب، السيناتور الجمهوري توم كوتون، الذي يُعتبر منذ فترة طويلة من أبرز المرشحين لتولي حقيبة الدفاع.
وكان ترامب قد لمّح إلى احتمال رحيل ماتيس منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقال حينها لمحطة "سي بي اس": "ربما (يغادر منصبه)، أعتقد أنه أقرب إلى أن يكون ديمقراطياً، إذا أردت الحقيقة... قد يترك. أعني، في وقت ما، الكل يترك".

وبدا واضحاً أن الخلافات بين الرجلين تتراكم منذ فترة، وأن مغادرة ماتيس كانت محتومة، ليأتي قرار الانسحاب من سورية دافعاً الوزير لحسم رأيه. وحاول ماتيس خلال اجتماع مع ترامب في البيت الأبيض الخميس، حمل الرئيس على التراجع عن خطوته بالانسحاب، وعندما اصطدم بالرفض قدّم كتاب استقالته. وبالتالي استبق إقالته، كما حصل لغيره من الوزراء، وهو الذي سبق وكرر أنه لن يستقيل مهما بلغ به الإحباط. لكن "شعوره بالعجز" وخشيته من "الأعظم" دفعاه إلى الابتعاد.

انسحاب ماتيس بهذا الشكل ترك ارتدادات داخل الولايات المتحدة وخارجها حملت تحذيرات كبيرة. فاستقالة "آخر وأهم صمام أمان" كما يُسمى الوزير، مؤشر على أن "الانهيار" في الإدارة تجاوز نقطة اللاعودة؛ فمن غير المسبوق أن يستقيل وزير الدفاع الأميركي اعتراضاً على أداء الرئيس. وفي العادة، يجري حل التباين بتسوية. لكن ذلك تعذّر، في وقت غادر حوالي ثلث أعضاء مجلس الأمن القومي مناصبهم ومن دون بدائل، ما أثار الخشية من الأسوأ، خصوصاً أن مسلسل الاستقالات والإقالات لم ينتهِ بعد. فلم يسبق لإدارة أن بلغ الهروب من صفوف أركانها، ما سجلته إدارة ترامب. فحتى الآن، أقال الرئيس بما يشبه الطرد، وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزير العدل جيف سيشنز، ومستشاره لشؤون الأمن القومي الجنرال هيربرت ماكمستر. كما أقال ثلاثة آخرين بصورة مباشرة لأسباب مسلكية: وزراء الداخلية والصحة والبيئة. وحمل آخرين على المغادرة، ومنهم ثلاثة في قسم الاتصالات في البيت الأبيض. كما أنهى خدمة مديرين اثنين في البيت الأبيض. ومن المتوقع أن يأتي قريباً دور وزيرة الأمن الداخلي كيرستن نيلسن، التي أعطى ترامب أكثر من إشارة إلى اعتزامه التخلص منها. ومن آثار هذا النزيف، أن الرئيس بات يجد صعوبة في سد الشواغر وبما يعرقل عملية وصنع القرار وآلياته.


وما زاد من قلق جهات عدة خصوصاً في الكونغرس، أن رحيل ماتيس جاء في لحظة شديدة الاضطراب؛ فالتعيينات الجديدة متعثرة في معظم المناصب الشاغرة. وفي الوقت نفسه، تواصل البورصة هبوطها السريع لليوم الرابع على التوالي، وسط توقعات باقتراب دخول الاقتصاد في دورة من الركود. كما أن التحقيقات حول التدخّل الروسي في الانتخابات الرئاسية على وشك الخروج بخلاصاتها التي قد تزلزل المشهد. والخلافات حول السياسة الخارجية متفاقمة، لا سيما بين البيت الأبيض والكونغرس، وتحديداً الجمهوريين فيه، وهي مرشحة للمزيد من التعقيد.

وعبّر مشرّعون أميركيون من الجمهوريين والديمقراطيين عن القلق مع مغادرة وزير الدفاع. وقال السيناتور الجمهوري ماركو روبيو، إن ماتيس في رسالته "يقول بوضوح تام إننا نتجه نحو سلسلة من الأخطاء السياسية الخطيرة التي ستعرّض بلادنا للخطر، وتضر بتحالفاتنا، وتقوي أعداءنا". كما وصف السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، ماتيس بأنه "جزيرة من الاستقرار وسط فوضى إدارة ترامب"، وعبّر عن مخاوفه من سياسة توجّهها "نزوات الرئيس المتقلبة".
من جهته، قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إن على الولايات المتحدة "أن تميز بوضوح من هم أصدقاؤنا ومن هم أعداؤنا، وأن تدرك أن دولاً مثل روسيا هي بين هذه الفئة الأخيرة". وأضاف أنه "حزين بشكل خاص لأنه (ماتيس) يستقيل بسبب الخلافات الحادة مع الرئيس، حول هذه المسائل ومسائل أخرى رئيسية على صلة بالقيادة الأميركية العالمية".

خارجياً، أحدث خبر استقالة ماتيس صدمة وانزعاجاً بين حلفاء الولايات المتحدة العسكريين الذين أربكهم بالفعل نهج ترامب إزاء الأمن العالمي، والذي يصفونه بأنه يصعب التكهن به ويسير في خط منفرد على عكس ماتيس الذي ينسب إليه حلفاء واشنطن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ الفضل في بناء الثقة وتحجيم النزعات الانعزالية. والمنطقة التي تضمّ حلفاء أقوياء لواشنطن مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، فيها بعض أشد البؤر سخونة في العالم، في ظل التوتر المحتدم في شبه الجزيرة الكورية والاحتكاكات الناجمة عن عسكرة الصين لبحر الصين الجنوبي.

وفي هذا السياق، قال السيناتور في الحكومة الأسترالية، جيم مولان، لصحيفة "ذي استراليان": "بشكل عام، كان يشار إليه بأنه واحد من الراشدين في إدارة ترامب". وأضاف أن استقالة ماتيس تدعو للقلق لأنها أدخلت "متغيراً شديداً آخر" على عملية صناعة القرار الأميركية. كما تحرم استقالة ماتيس، أستراليا من حليف قوي في إدارة ترامب. وقال مصدر دبلوماسي مقيم في الولايات المتحدة لـ"رويترز": "لطالما كانت أستراليا تجد أذناً صاغية لدى ماتيس".

من جهته، أشاد حلف شمال الأطلسي بإسهامات ماتيس، "لإبقاء الحلف العسكري قوياً ومستعداً للتعامل مع التحديات الأمنية الكبيرة التي نواجهها"، معبّراً عن استعداده للتعاون الوثيق مع من سيخلفه. وقالت المتحدثة باسم الحلف أوانا لانجيسكو: "نحن ممتنون للالتزام الراسخ من الولايات المتحدة تجاه الحلف. القيادة الأميركية تحافظ على قوة تحالفنا على جانبي الأطلسي". كما قدّمت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، تحية لماتيس، ووصفته بأنه "جندي عظيم" و"شريك في كل الظروف". أما وزيرة الدفاع الألمانية، أورسولا فون دير ليين، فطالبت الولايات المتحدة بتوضيح الوضع بعد الاستقالة المفاجئة لماتيس. وقالت الوزيرة في بيان: "نظرا لأن الولايات المتحدة تضطلع بدور مهم ومسؤولية في بنية الأمن العالمي، فمن المهم للجميع الحصول على توضيح على نحو سريع بشأن من سيخلفه (ماتيس) والمسار المستقبلي".

المساهمون