مأزق حركة فتح

04 ديسمبر 2016
+ الخط -
يبتعد كثيراً عن الواقع من يظن أنّ علوّ صوت التصفيق في مؤتمر حركة فتح أخيراً يجسّد مرحلة استقرار سياسي لهذه الحركة التي جسّدت العمود الفقري للثورة الفلسطينية منذ نصف قرن.
فما اختبأ خلف هذا الضجيج المفتعل في قاعة المؤتمرات، وما رافقه من تزلّف ونفاق مارسه أعضاء المؤتمر تصفيقاً لخطابات الرئيس التي لم تأت بجديد، وبدت خالية من أيّ مضمون، يؤكد أزمة عميقة ومزمنة، تعانيها حركة التحرّر الوطني من متلازمات عديدة، أهمها الفساد والانفلات وغياب الرؤية والرموز الوطنية عنها، وحتى الغطاء الشعبي الجماهيري الذي ظلّ سمةً مرافقة للحركة طوال سنوات نضالها في مخيمات وقرى ومدن الوطن والشتات، والذي تمّ تغييبه لتحلّ مكانه مجموعة من الموظفين والضباط والمنتفعين الذين أخرجوا "فتح" من مضمونها الثوري الجماهيري، لتبدو تكتلاً سلطوياً يشبه حركات الأنظمة العربية الحاكمة التي جسّدت حكم الفرد المتسلّط المتحكّم بالقرار دوناً عن غيره والبعيد عن المحاسبة والمسؤولية.
لم يخرج من المؤتمرين المتجاوز عددهم الألفي عضو أيّ صوت ينتقد ممارسات أبو مازن عبر العقد الذي قضاه في الحكم أو يعترض على حالة الفساد المستشرية بين قيادات الحركة، وعبر مؤسساتها المرتبطة بالسلطة، ولم يطالب أحد مثلاً بمحاسبة أبو مازن على تراجع الملف الفلسطيني وعجز القيادة الحالية عن إخراج الفلسطينيين من مآسي الاحتلال والحصار أو حتى الفوضى التي مارستها تلك القيادة، وأدّت، فيما أدت، إلى خسارة قطاع غزة وتعميق الشرخ الوطني الفلسطيني أيضاً عبر تعطيل فاعلية منظمة التحرير ومجلسها الوطني الذي يفترض أن يكون جامعة وطنية لكلّ الفلسطينيين، بفصائلهم السياسية المختلفة ونخبهم وكفاءاتهم الوطنية في كل الأطر المجتمعية الفلسطينية في الوطن والشتات.
لم يعترض المصفقون على الطريقة التفاوضية البائسة التي أدارها أبو مازن عبر السنوات الماضية، ولم تنتج للفلسطينيين سوى زيادة معاناتهم وتراجع ملفهم إقليميا ودولياً وسط تغوّل الاستيطان وتدنّي مستوى الفرد الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً، ولم يذكِّر أحد الرئيس أنّ الآلاف من أعضاء فتح لا زالوا في السجون مع باقي المناضلين من الفصائل الفلسطينية الأخرى، وأنّه متقاعس وعاجز عن مساندتهم في نيل حرية مستحقة.
لم يكن مؤتمر حركة فتح إلا على شاكلة ما قبله والمنعقد في بيت لحم قبل ثماني سنوات، والذي فرض فردانية القرار بيد شخص أوحد قرّر لوحده استراتيجية الحركة واختار وحده أيضاً قيادات المجلس الثوري واللجنة المركزية للحركة، وله القرار وحده أيضاً في عزل من يريده لاحقاً في حال تعارضت المصالح والمنافع الشخصية، كما حصل مع محمد دحلان وأنصاره، على الرغم من أنّ الأخير لم يكن ليمثّل حالة وطنية أو فكراً إيجابياً في إطار التنظيم الفتحاوي، بقدر ما كان حالة سلبية يرافقها الفساد والأزمات أينما ذهبت.
ولم يكن ذاك الخلاف الذي فجره دحلان مع أبي مازن ذي علاقة باستراتيجية الحركة ورؤيتها الوطنية للأحداث السياسية بقدر ما هو صراع على النفوذ والامتيازات المالية في "فتح" والسلطة، فصراع من هذا النوع يخوضه دحلان مع أنصاره ومحالفيه بدعم الرباعية العربية ضد عباس لن يصب في خدمة الصالح الحركي أو الوطني الفلسطيني، وهو تأكيد يحقّق حالة شرخ عميق تفتّت الحركة وتدخلها في نفق سياسي مظلم.
لم تكن مؤتمرات "فتح" السابقة التي عقدت عبر عقود النضال الوطني الطويل على شاكلة مؤتمر المقاطعة، فتلك كانت تنشأ في رحم نضالي نقي وخضم عنف ثوري وكفاح مسلح يؤمن بنظرية "السياسة تنبع من فوهة البندقية". مؤتمرات لا تصفق للقائد ولا تعط لياسر عرفات بكلّ ما حمله من رمزية وكاريزما شيكاً على بياض، تختلف معه وترفع الصوت بناء على مقتضيات المصلحة الوطنية الفلسطينية، لا لامتيازات سلطوية وتقاسم نفوذ، مؤتمرات يحضرها رموز وقادة مؤثرون ومفكرون أمثال ماجد أبو شرار وسعد صايل وخليل الوزير وخالد الحسن وصلاح خلف، لا بارونات سلطة ومتسلّقين وأشباه قادة، مؤتمرات يسندها زخم جماهيري منطلق من أزقة المخيمات ومعسكرات الفدائيين وحقول الكادحين الفلسطينيين وأشبال الثورة الفلسطينية.
CDA6303E-A368-43B9-8AE5-B5B9919C5265
محمود عدس (فلسطين)