لوران غاسبار.. الشاعر الذي مات مرّتين

19 أكتوبر 2019
الصورة
(خالد النجار مع غاسبار في مشفاه بباريس)
+ الخط -

رغم ادعاءات الحرية والموضوعية، تبدو الصحافة الفرنسية مهادنةً، إن لم أقل خاضعةً لسطوة "الكريف" (المعادل الفرنسي لـ "الأيباك" الأميركية)؛ تمارس الصمت الإجرامي إزاء كل الجرائم الصهيونية: هذا موقف صار من كلاسيكيات الصحافة الفرنسية اليوم، وتعدّى الأمر إلى أصحاب السترات الصفراء الذين كشفوا زيف هذا الاعلام عندما شيطنهم وغطّى عن تجاوزات البوليس الفرنسي، لأنّهم معادون هم أيضاً للصهيونية.

عندما يتعلّق الأمر بالمصالح، يصير موقف الدولة الحداثية المتغنّية، منذ أكثر من قرنَين بمبادئ حقوق الإنسان التي جاءت بها الثورة الفرنسية، لا يختلف عن موقف أيّة قبيلة بدائية في مجاهل الأمازون عندما تشعر بالتهديد.

أحياناً، ننسى أنَّ فرنسا - والغربَ بشكلٍ عام - وبعد إعلان دستور (أو شُرطة) حقوق الإنسان منذ قرابة ثلاثة قرون، ذهبت بكلّ يُسر إلى الشعوب الأخرى ومارست عليها أنواعاً خيالية من القتل والتصفيات العرقية والثقافية، أجل الثقافية التي تجرّب اليوم نسختَها الجديدة في بلداننا بواسطة نخب مستلَبة تعمل على تخريب وعي الشعوب بهوياتها اللغوية والدينية للقضاء على أساطيرها المؤسّسة؛ إذ لا تُوجَد هويات عقلانية.

من الواضح أنَّ قدسية وطهرية الصحافة الفرنسية لم تبق هالتُها سوى في أدمغة بعض نخب أبناء المستعمرات الفرنسية القديمة من فرانكوفونيين مغاربيّين ولبنانيين.

مناسبة هذا الكلام هو صمتُ الصحافة الأدبية الفرنسية عن موت الشاعر الفرنسي لوران غاسبار، ممّا دعا موقع "ميديا بارت" إلى كتابة مقالٍ مطوّلٍ بعنوان "لوران غسبار يموت خلسةً"، بقلم الكاتب والصحافي أنطوان بيرو، صدّره بالإشارة إلى كون غاسبار صديقاً للشعب الفلسطيني. و"ميديا بارت"، الذي أسّسه إيدوي بلينيل، موقعٌ إعلامي بديل مثل مواقع أُخرى أسّسها تيري مايسن، وآلان سورال، وفرنسوا أسيلينو وغيرهم، فقد اكتشف الناس زيفَ التلفزيون والصحافة الرسمية.

أجل، اختفى لوران غسبار خلسةً... مات مرّتَين، الأولى بيولوجياً والثانيةُ إعلامياً؛ إذ لم تكلّف الصحافة الفرنسية نفسَها نعيه ولو في ركن صغير في جريدة "لوموند" أو "لوفيغارو". وأنطوان بيرو نفسُه، وهو يعمل في "إذاعة فرنسا الثقافية"، الليكودية بامتياز، لم يجد سوى موقع "ميديا بارت" لينشر فيه مقاله، ما يعني أنّه ممنوعٌ تداول اسم غاسبار إعلامياً.

الإعلام في خدمة الأجندات السياسية الكبرى. والحال أنَّ الباحثَ الأكاديمي الفرنسي، إيف دبراي، أصدر أخيراً دراسةً مفردة عن غاسبار في سلسلة "شعراء اليوم"، وهي دراسةٌ تضاف إلى ما صدرت حول الشاعر الفرنسي الراحل من كتبٍ كثيرة ونصوص أدبية وقصائد أهداها له شعراء من أمثال إيف بونفوا، وجون غروجان، وميشال بيتور، وجاك ريدا، وجون بيير لومير، ورسومٍ أنجزها هنري ميشو، وزاووكي الرسّام الصيني العالمي، وصديقُه تانغ. كما كان من أصدقائه سان جون بيرس والشاعر اليوناني جورج سيفيريس الذي نقل قصائد لوران إلى اليونانية، وغاسبار هو الذي عرّفني ذات شتاء على يانيس ريتسوس.

أُنجزت عنه، أيضاً، رسائل جامعية كثيرة وأقيمت حلقات دراسية في بلاد عدّة؛ لعلّ أهمّها "لقاء سيريزي" العالمي المكرَّس لأكبر الكتاب والفلاسفة في العصر الحديث من هيدغر وسارتر إلى رولان بارت.

وصدر عن هذا اللقاء الذي حضرتُه كتابٌ جماعي حول منجَز لوران غاسبار الشعري والفكري؛ فهو ليس من الشعراء المتغنّين بالعالم، ولكنّه من أرومة شعرية قديمة يمتزج لديها فعل الخلق الشعري بالرؤية الفلسفية النافذة من أيام الإغريق إلى أبي العلاء المعرّي والتوحيدي في تراثنا، حتى رامبو وهلدرين ونيتشه وريلكه وسان جون بيرس؛ حيث تمتزج الرؤية الفكرية بالإبداع الشعري، وحيث للنص فعلٌ دينامي في تغيير الوعي الإنساني، وهذا ما حاوله غاسبار الذي يرى أنَّ النص والحياة يبزغان من نبعٍ واحد، ويشرح الخلق الشعري من خلال الكيمياء والبيولوجيا، وهو يبغي من الشعر أن يُضيء ويوسّع وعي الإنسان.

سألتُ ألبرتو مورافيا في حوارٍ قديم: من هم أهم كتّابكم اليوم؟ فأجاب: "تعْلَم جيّداً، نحن ننسى دائماً المهمّين".

لذا كان لا بد من نسيان لوران غاسبار.