لبنان: برّاداتنا الفارغة

26 يونيو 2020
الصورة

صور جمعتها "فرانس برس" للبنانيين يظهرون برّاداتهم الفارغة (22/6/2020)

مدهشةٌ رؤية المنظومة اللبنانية تتصرّف وكأن لا شيء يستدعي إعلان حالة طوارئ لإنقاذ البلد. موجعةٌ الصور التي انتشرت عبر وكالة فرانس برس عن برّادات فارغة في منازل اللبنانيين. مؤلم أكثر لحسُ مناصري هذه المنظومة، بسلطتها ومعارضتها، المِبرد، فقط لتسجيل نقاط سياسية، باتت فعلاً تافهة، إزاء التآكل المستمرّ للقدرة الشرائية لدى ما تبقى من قوى عاملة، وحيال ارتفاع نِسَب الفقر إلى مستويات عالية. تخّيلوا أن سعر صرف الدولار الذي لم يتجاوز الـ1507 ليرات لبنانية في الصيف الماضي تخطّى سعر صرفه في السوق السوداء في الأيام الأخيرة الـسبعة آلاف ليرة، بينما تعقد السلطة اجتماعاً ناقصاً في المقرّ الرئاسي في قصر بعبدا، للحديث عن "السلم الأهلي"، وكأن لا حكومة موجودة ولا مجلس دفاع أعلى لهذا الصدد، في تأكيد على أن لا قيمة حقيقية للبنانيين واحتياجاتهم لديها. حتى في سقوطها، تعمل السلطة، كل السلطة، على إعادة تحصين نفسها أمام الناس. تخيّلوا أن كثيرين ما زالوا متمسّكين بالغيبيات، وأن "كل شيء سيمرّ بسلام"، وأن "لبنان سينتصر بالمواجهة"، على وقع الأهازيج والأشعار والأغاني الحماسية. نعم، لبنان الذي عجز عن معالجة ملف فساد واحد، لعلّ أبرزها ملف انفجار أحد مجاري الصرف الصحي في بيروت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، سينجح في المواجهة الاقتصادية. إنها النكتة الأكثر سوداوية في القرن الـ21.
لم نعد نملك ترف الوقت، ولا يمكن بناء مصانع محلية على عجل، ولا يمكن استعجال المواسم الزراعية. لا تخطيط ولا عشوائية. صحيحٌ أن علينا تفعيل الإنتاج المحلي بغية تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض القطاعات، لكن الفئات الجائعة والمريضة والعاطلة من العمل لا تملك امتياز الوقت، والدولة لا تملك امتياز الحصول عليه. التوجّه شرقاً أو التطلّع غرباً لن يكون موضع نقاش ضروري حالياً، ما لم تُبادر الدولة إلى إقرار الإصلاحات المطلوبة منها. الجميع يعلم ذلك لكن الجميع يتجاهله. تكفي هذه الجزئية لفهم نوعية من تتالوا على حكم لبنان منذ إعلانه "كبيراً" عام 1920، وصولاً إلى الاستقلال 1943. لقد تجمّد الزمن هناك، عند ذهنيةٍ إقطاعيةٍ مثلّثة دينية ـ سياسية ـ مالية، انضمّت إليها طبقة أمراء الحرب. بالتالي، كان الجميع، بصورة أو بأخرى، بنسبٍ متفاوتة، شريكاً في جريمة "البرّادات الفارغة" في البلاد.
تأملّوا لحظةً أن السلطة التي لم تُحاكم فرداً واحداً على ما تسبّبوا به للبلاد، ولم تجرؤ على محاسبة من سرق وهرّب أمواله إلى خارج لبنان، ولم تستطع مجابهة سلطة المصارف، ولم تقدر على وضع حدٍ للفلتان الأمني ـ الاجتماعي، هي السلطة نفسها التي تعمل على اعتقال أشخاص فقط لأنهم شتموا. نعم، يا سادة، إن الشتيمة أصبحت أقوى من الهدر، و"المقامات" حسّاسة تخشى على صورتها حين تنظر إلى نفسها في المرآة. ربما في دولةٍ فعليةٍ، كان يمكن بدلاً من تنفيذ هذه الاعتقالات، أن يسأل كل فردٍ مسؤولٍ نفسه "لماذا أُشتَم؟". سيجد الجواب في كل قطاعٍ كان قادراً على معالجة خلله وهدره وفساده، ولكنه لم يفعل، إرضاءً لعناوين فضفاضة، مثل "حماية الوحدة الوطنية وصون العيش المشترك"، والذي يعني عملياً تقاسم الحصص داخل الدولة بين مليشيات ورجال عصابات ينتمون إلى مختلف الطوائف وبحمايتها.
عملياً، كل ما يجري في بيروت حالياً هو ردّ فعل غبي من السلطات على كل ما نمرّ به، وحملات الاعتقال التي تنفّذها دليلٌ على أن لا قدرة لها على تغيير المسار جذريا. وطبعاً، لا تريد هذه المنظومة، بسلطتها ومعارضتها، الاستقالة، لأنها "أكبر من ذلك"، لكنها ستضطر إلى ذلك في وقتٍ ما. لأن المعركة لم تعد على شعار سياسي ما، بل على بديهيةٍ واحدةٍ "لن تبقى برّاداتنا فارغة وبرّاداتكم ممتلئة، إما أن تفرغ كلها أو أن تمتلئ كلها".