لا مفرّ من تعلّم السوريين اللغة التركية

25 أكتوبر 2018
الصورة
سوريتان تعيشان في تركيا (أوزان كوزيه/ فرانس برس)
+ الخط -

في الوقت الحالي، زاد عدد المعاهد التي تعلّم اللغة التركية في إسطنبول، وتستقبل طلاباً من مختلف الفئات العمرية. ويدرك السوريون أن اللغة معيار أساسي لمدى اندماجهم في المجتمع، ودخول سوق العمل.

بدا إقبال محمد مصلح (66 عاماً) على تعلّم اللغة التركية ملفتاً، وقد أثنى عليه المدرّس ومدير المعهد حيث يدرس. يواظب على الدراسة منذ نحو ستة أشهر. ولدى سؤالنا إياه عن سبب رغبته في تعلّم التركية، يقول: "ما من مستحيل أمام تصميم الإنسان. عشت فترة طويلة كالأعمى والأصم في تركيا. لا أعرف ماذا يقولون ولا أستطيع إيصال مطالبي. قررت تعلّم اللغة مهما كلف الأمر، وها أنا اليوم أستطيع التعامل في السوق ومع الجوار والتعبير عما أريد، وإن بالحدود المعقولة".

هكذا باتت اللغة التركية بالنسبة للسوريين المقيمين في تركيا على الأقل، حاجة وليست ترفاً أو هواية. هم في حاجة إلى الاندماج في مجتمع فتح لهم ذراعيه، ولا بد من إيجاد وسائل للتفاهم. من هنا، تعد اللغة أولوية، خصوصاً لمن يريد العمل أو الدراسة. وزاد عدد المعاهد والأكاديميات التي تعلّم التركية، كما يقول مدير معهد "مركز إسطنبول التعليمي" في منطقة الفاتح في إسطنبول أمير ميرزو. ويوضح لـ "العربي الجديد" أن الإقبال اليوم أقلّ بالمقارنة مع السنوات السابقة "بعض السوريين هاجروا وبعضهم ربما تعيقه التكاليف". يضيف: "خلال عامي 2012 و2013، كان الإقبال على تعلّم اللغة التركية كبيراً، وكنا نفتتح دورات على مدار اليوم. لكن الإقبال تراجع قليلاً، أو ربما توزّع الطلاب على المعاهد والأكاديميات التي زاد عددها في إسطنبول عن عشرين مركزاً مرخصاً. أما في عام 2011، كنا ثالث معهد في إسطنبول".

وحول مدّة الدورات وكلفتها، يقول ميرزو: "هناك مستويات عدة، سواء للمبتدئين أو الذين يتعلمون منهج اليوز والهيتيت للقبول الجامعي، أو حتى لمن يريد تعلم أساسيات اللغة وفق منهج إسطنبول المختصر. مدّة الدورات تتراوح ما بين 36 ساعة على مدى شهر ونصف الشهر، و600 ساعة على خمس مراحل. وتتفاوت الكلفة بحسب المدة الزمنية ونوع الدورة. وتبدأ من 200 ليرة تركية (نحو 35 دولاراً) وتصل إلى أكثر من 1200 ليرة تركية (نحو 210 دولارات). وعن أكثر الفئات العمرية إقبالاً على تعلم التركية، يشير ميرزو: "ما من ملامح محددة أو قاسم مشترك خلال الدورات. لكن يمكن القول إن فئة الشباب، من كلا الجنسين، هي الأكثر إقبالاً".




من جهته، يقول الشاب أيهم إبراهيم (24 عاماً) إنه يتعلم التركية لأن شركة بيع مصافي المياه حيث يعمل كانت قد أنذرته. فإذا لم يتعلم اللغة جيداً، ستستغني عنه. أو قد يتغير منصبه ولا يزيد أجره. ما أشار إليه إبراهيم لا يختلف عمّا قاله المستثمر عبدو عبود، وهو من محافظة إدلب. كان قد جاء من السعودية للعيش والاستقرار في تركيا. "لا يمكن أن أبدأ الاستثمار وأنجح من دون إجادة اللغة التركية كما الأتراك"، مؤكداً أنه سيستمر حتى المراحل النهائية.

على المقلب الآخر، لم يعد تعلّم اللغة التركية بالنسبة للسوريين المقيمين في تركيا خياراً، إذ تشترط العديد من المؤسسات التي توظف عمالاً سوريين إتقان اللغة التركية، أو تستغني عن خدماتهم. من بين هؤلاء المدرسون السوريون في المدارس السورية التي ستقفل أبوابها وتتحوّل إلى مدارس تركية بدءاً من العام المقبل، كذلك الأمر بالنسبة للمدرسين السوريين المساعدين الذين التحقوا بالمدارس التركية هذا العام. وتقول المدرسة السورية مريم عبود: "إضافة إلى ضرورة تعلم لغة شعب أعيش معه، اشترطت وزارة التربية التركية حصول المدرسين السوريين على شهادة المستوى الثاني ألف 2، ضمن خطة دمج المدرسين السوريين في المدارس التركية. وفي حال عدم إتقان اللغة، سيتم الاستغناء عن المدرسين السوريين". تضيف المدرّسة السورية أنها التحقت وآخرين بمركزَي "اسميك" و"الهالك ايتيم" الحكوميين، في وقت اختار آخرون مراكز تعليم خاصة نظراً للجدية وإعطاء وقت أكبر للمحادثة، على الرغم من أن كلفة 36 ساعة فيها تصل إلى 600 ليرة تركية.

وزارت "العربي الجديد" معهد "رائد" في إسطنبول، والتقت مديره عبد الحميد نايف الذي لفت إلى أن الإقبال على التركية لم يعد يقتصر على السوريين، بل هناك مصريون ومغاربة وحتى أفارقة، عازياً السبب إلى أن تركيا باتت "وطناً لمن لا وطن له". ويقول نايف لـ "العربي الجديد": "ما من فئة عمرية محددة تطلب تعلّم التركية. أعمار الطلاب تتراوح ما بين 14 و65 عاماً. أما الأصغر سناً، فيدرسون في معاهد ومدارس حكومية أو خاصة. وعادة ما يكون إقبال النساء أكبر من الرجال خلال الدورات النهارية. ونادراً ما تلتحق نساء بالدورة الليلية التي افتتحناها من الساعة التاسعة وحتى 11 ليلاً، لتناسب أوقات العاملين والموظفين.




وفي ما يتعلّق بالإقبال الزائد على تعلّم التركية، يقول مدير معهد "رائد": "اللغة مفتاح البلد والطريقة الأسرع وربما الوحيدة للانخراط في المجتمع. كما أن معظم الأعمال في البلاد تطلب اللغة التركية، وإن بالحدود الدنيا". ويشير إلى أن إقبال تلاميذ الثانوية يزداد، لأن الجامعات التركية تطلب شهادة أحد الامتحانين "يوز" أو "سات". واليوز مادة تغلب عليها الرياضيات وأسئلة الذكاء، وهي مطلوبة أكثر من السات الذي يعتمد بمعظمه على اللغة الإنكليزية. يضيف أن تجاوز أحد الامتحانين هو شرط للقبول الجامعي في تركيا. ويلفت نايف إلى أن التكاليف تختلف من معهد إلى آخر، بحسب المستوى والمدرس والساعات. وفي معهده، تبدأ من 200 ليرة تركية لمدة شهر ونصف الشهر، وتنتهي بنحو 1150 ليرة لكافة المستويات.