كورونا يفاقم المجاعة وسوء التغذية في اليمن

01 اغسطس 2020
الصورة
نقص غير مسبوق في التمويل الإنساني بسبب الصراع وكورونا(محمد حمود/الأناضول)

قبل أن يصل الوباء إلى اليمن، كان أكثر من نصف سكان البلاد يعتمدون على المساعدات الغذائية من أجل البقاء. ومع بدء انتشار فيروس كورونا، بدأت الأوضاع تصبح أكثر سوءاً، وبات الملايين، خاصةً الأطفال، عرضة للمجاعة وسوء التغذية والأمراض المزمنة.

في تقرير نشرته صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية بعنوان "2020 قد يكون أسوأ عام حتى الآن للجوع في العالم"، ترى الصحيفة أنّ الملايين باتوا أسرى الجوع وسوء التغذية، وهو ما يهدّد بحدوث أزمة إنسانية كبيرة.

سوء تغذية
نهى طفلة يمنية تبلغ من العمر 7 سنوات، لكنها تبدو للوهلة الأولى كطفلة رضيعة لا تتعدى العامين من عمرها. الفتاة اليمنية تعاني من الجوع الشديد.

نهى من بين ما يقدَّر بنحو 2.4 مليون طفل في اليمن الذين مزقتهم الحرب، وتخشى الأمم المتحدة من أن تُدفَع البلاد إلى حافة المجاعة بحلول نهاية العام، بسبب الصراع والنقص غير المسبوق في التمويل الإنساني بسبب فيروس كورونا.

تعاني نهى، مثل الكثير من الأطفال، من مزيج مميت من الآلام. ووفقاً للطبيبة اليمنية أشواق محرم، التي تساعد في علاجها، فهي تعاني من الكساح والتشنجات في الأطراف، بسبب نقص الكالسيوم.

تقول محرم لصحيفة "ذي إندبندنت" من الحديدة: "لا تبدو نهى كباقي الأطفال، فمعالم الفتاة قد اختفت نهائياً، وباتت أشبه بهيكل عظمي".
تكافح نهى، بحسب الطبيبة، من أجل الجلوس على سريرها في المستشفى، حيث تسعى الممرّضات إلى تزيين سريرها بأغطية ديزني لإبهاجها.

في وقت سابق من هذا الشهر، عندما نُقلَت إلى مستشفى الثورة في الحديدة، وهي مدينة ساحلية من بين أكثر المناطق تضرراً من أزمة الجوع في اليمن، خشي الأطباء من إمكانية موتها وعدم قدرتها على العيش. وتقول أسرتها إنّهم اضطروا إلى الانتظار حتى اللحظة
الأخيرة لنقلها إلى المستشفى، لأنه لم يكن لديهم المال لدفع تكاليف النقل.

"غالباً ما نأكل الخبز، وبعض الأرز الذي يتبرّع لنا به الأصدقاء أو مؤسسة خيرية"، تقول والدة نهى، التي يبدو أنها تعاني أيضاً من سوء التغذية والضعف.

تقول الأم، التي طلبت عدم نشر اسمها: "لم يكن لدينا مال بسبب الحرب والقيود المفروضة بسبب فيروس كورونا، لذلك لا يمكننا أن نتناول الطعام".

جميع أفراد الأسرة يجوعون، لكنهم أصبحوا قلقين بشكل متزايد عندما بدأت نهى تعاني من الإسهال الذي تركها تعاني من الجفاف وسوء التغذية.
"تصل تكلفة سلة السلع الأساسية إلى أكثر من 45 دولاراً الآن، وهو راتب شهر لم نحصل عليه منذ سنوات"  تتابع الأم. وتضيف: "ليس لدينا ما يكفي من المال لإطعام أيٍّ من الأطفال بشكل صحيح".


جهود فردية 
تعمل محرم، الطبيبة النسائية، منذ سنوات في عيادة متنقلة للتغذية، حيث تجوب المناطق النائية في الحديدة لمعالجة المرضى.
على الرغم من النقص الحاد في الأدوية والأطباء، يعالج مستشفى الثورة في الحديدة العديد من الحالات الحرجة، حيث كان منذ فترة طويلة الخطّ الأمامي لحرب اليمن التي استمرّت خمس سنوات. وتعدّ المدينة من بين المناطق الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فضلاً عن انتشار  أمراض مثل الكوليرا، التي تؤدي فقط إلى تفاقم حالات سوء التغذية.

"إنّ الوضع كان سيئاً بالفعل بسبب الحرب، ولكنه تفاقم بسبب الفيروس التاجي، ما يعني أنّ العديد من المواطنين فقدوا أعمالهم، الأمر الذي أثّر كثيراً بقدرتهم المعيشية"، بحسب ما تؤكّده محرم لصحيفة "ذي اندبندنت".
تفاقم الأزمة 
قبل أن يصل الوباء إلى اليمن، كان أكثر من 15 مليون شخص، أكثر من نصف سكان البلاد، يعتمدون بالفعل على المساعدات الغذائية الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وفقاً للأمم المتحدة.

أخبرت فانيسا روي، من شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة، صحيفة "ذي إندبندنت" أنّ "عام 2020 قد يكون عاماً سيئاً قياسياً للجوع في اليمن".

وتقول: "سيكون هذا العام هو الأسوأ من حيث إجمالي السكان المتوقع أنهم بحاجة إلى مساعدات غذائية".

لقد دقّت الأمم المتحدة هذا الأسبوع ناقوس الخطر بشأن مجاعة أخرى محتملة. وفي حديثه أمام مجلس الأمن، قال منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مارك لوكوك: " إنه من دون المزيد من التمويل والوقف الفوري لإطلاق النار، سيكون هناك زيادة في الجوع وسوء التغذية والكوليرا، إضافة إلى تداعيات أزمة كورونا صحياً واجتماعياً واقتصادياً".

بدورها، تشير  أنابيل سيمينغتون، المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي إلى الصحيفة البريطانية، إلى أنّ الوضع يزيد تعقيداً. وتقول: "نحن نشهد تدهوراً مزعجاً للغاية، ولا نرى أي شيء يسمح لنا بوقف هذا التراجع الحالي". وتردف: "نحن بحاجة للعمل الآن، وإلّا فسيكون الأوان قد فات، وسنشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانيه على الإطلاق".  

بعد مرور خمس سنوات، لا أمل كبيراً في إنهاء القتال، وبسبب أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية السيئة، لم تكن البلاد مؤهلة للتعامل مع وصول الفيروس التاجي، الذي أصاب ما لا يقلّ عن 1700 شخص، وقتل ما يقرب من 500 آخرين، وفقاً للأرقام الرسمية. كذلك إنّ غياب فحوص كورونا يزيد من تفاقم المشكلة، إذ من المتوقع أن تكون الأرقام الحقيقية أكثر بكثير.

تشير منظمة أوكسفام إلى أنّ الأشخاص في اليمن الذين قد يموتون هذا العام بسبب الجوع المرتبط بكورونا، يزيد على عدد الموتى بسبب المرض نفسه.
ارتفاع الأسعار
لا شكّ في أنّ ارتفاع أسعار المواد الغذائية هو من الأسباب الرئيسية للجوع في اليمن. وأبلغت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) صحيفة "ذي إندبندنت" أنّ تكلفة المواد الغذائية الأساسية مثل الدقيق زادت بنسبة 40 في المائة منذ العام الماضي وحده، بينما تضاعفت تكلفة الغذاء بشكل عام، ثلاث مرات منذ بداية الحرب.

كذلك تشير العديد من التقارير التي جرت مشاركتها مع الصحيفة، إلى تدمير القطاع الزراعي في اليمن، الذي يوظّف نصف القوى العاملة في البلاد، وهو مسؤول عن 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لكن بسبب الحرب انخفضت حصة الزراعة من الناتج المحلي، ما يهدد ملايين الأسر.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة، سيكون إنتاج الحبوب هذا العام عند 365 ألف طن متري فقط ، أي أقل من نصف مستويات ما قبل الحرب.

في الحديدة وحدها، يقدّر المركز الزراعي موت أكثر من مليون نخلة، إضافة إلى فقدان العديد من الأشجار المثمرة على مدى السنوات الخمس الماضية، بحسب رصد قامت به منظمة السلام الهولندية من طريق استخدام صور الأقمار الصناعية.

يقول ويم زفينجنبرغ، من المنظمة الهولندية: "وجدنا أنه في العديد من المواقع الزراعية، اختفت أشجار النخيل على مدى السنوات الثلاث الماضية. ويوضح أنّ الهجمات على المزارع ومصادر المياه، وكذلك الجفاف ونقص الوقود لتشغيل مضخات المياه، قد دمّرت البلاد كلها".

وفق مشروع بيانات اليمن، الذي يتتبع الغارات الجوية في البلاد، فإنّه منذ بداية الحرب، كانت هناك أكثر من 680 غارة جوية على الأراضي الزراعية في جميع أنحاء البلاد، ما أدى إلى مقتل وإصابة ما يقرب من 400 مدني، وتعطيل الإنتاج الزراعي. وقد دمّر ما لا يقل عن 153 من تلك الغارات مزارع في الحديدة وحدها.
يقول الصحافي اليمني محمد الحكيمي، الذي أجرى بحثاً مكثفاً في هذا الموضوع: "إنّ السكان، وخاصة المزارعين، ضاعوا وسط تبادل إطلاق النار واضطروا إلى التخلي عن مزارعهم بسبب الجفاف والمرض والدمار".
صحيح أنه لم يُحدَّد بعد الأثر الكامل لهذا الأمر على المجتمعات المحلية بشكل صحيح، لكن تدمير المحاصيل مثل أشجار النخيل، الذي يُعَدّ مصدراً للدخل والغذاء، قد يجعل عائلات مثل عائلة نهى، تعاني من قلّة الطعام وتعيش تحت خط الفقر.