كورونا يشلّ الصحافة الورقية في العراق

02 ابريل 2020
الصورة
خسر صحافيون وظائفهم (صباح عرار/فرانس برس)
+ الخط -
للأسبوع الثاني على التوالي، تحتجب الصحف العراقية اليومية عن الصدور، بفعل حظر التجول الذي اتخذته السلطات العراقية لمواجهة انتشار فيروس كورونا في البلاد، ما ألقى بظلاله على العاملين في تلك الصحف بشكل خاص وصل إلى حد مطالبة نقابة الصحافيين العراقية من الحكومة بتعويضات عاجلة لهم، إذ توقفت الصحف التي تعتمد على الإعلانات اليومية في الغالب في تغطية التكاليف، عن دفع مستحقات الصحافيين فيها. 
يقول الصحافي العراقي سنان الحيدري، والذي يعمل في جريدة يومية محلية تصدر في بغداد، إنّ "جائحة كورونا أكملت الحرب التي بدأتها الصحافة الإلكترونية ضد الصحف اليومية الورقية"، على حد تعبيره. ويوضح، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "الصحافة الورقية كانت أساساً تعاني تراجعاً في العراق بشكل كبير، والإقبال على شرائها انحصر في دائرة المؤسسات والدوائر والوزارات فقط. إذ قلّما تجد مواطناً يشتري صحيفةً ورقية، بعدما تم الاعتماد على الصحافة الإلكترونية والأخبار السريعة عبر الهواتف الذكية".
ويؤكّد أنّه بعد توقّف إصدار صحيفته، وصحف أخرى، "ستتسع دائرة الاعتماد الكامل على الصحافة الإلكترونية حتى في الوزارات والدوائر الحكومية، ما قد يدفع باتجاه استمرار وقف إصدار عددٍ منها حتى بعد حظر التجول، لتكون ضربةً موجعة جديدة تتلقاها الصحف الورقية في العراق، باستثناء بعض الصحف المدعومة من الحكومة أو من بعض الأحزاب والهيئات السياسية"، مشيرًا إلى أنّ "هذا المصير هو عبء جديد يتحمله مئات من العاملين في تلك الصحف والذين يعانون من ضعف المرتبات بالأساس، ووجدوا أنفسهم اليوم بلا أي مدخول مع توقف إصدار الصحف".
يضيف الصحافي العراقي "أصبحنا عاطلين عن العمل، فالحكومة لم تتّخذ أي إجراء لدعمنا، أو لتوفير مبالغ مالية كمنحة طوارئ لنا، وما إلى ذلك من إجراءات كان من المفترض أن تتخذ بالتزامن مع فرض الحظر". ويوضح "ناشدنا مسؤولي الصحف، لكنهم أبلغونا أنهم غير قادرين على دفع المرتبات، وناشدنا نقابة الصحافيين والبرلمان والحكومة. يجب ألا يهمل هذا الموضوع الذي تتوقف عليه معيشة مئات من العائلات". ويشير الحيدري إلى أنّ "أغلب العاملين في الصحف الورقية بدأوا اليوم يبحثون عن أعمال أخرى يحصلون من خلالها على مرتبات يستطيعون من خلالها إعالة عائلاتهم".
في هذا الإطار، دعا نقيب الصحافيين العراقيين، مؤيد اللامي، مجلس الوزراء، إلى تخصيص رواتب للعاملين في الصحف الورقية، مؤكداً في تدوينةٍ له، أنّ "هؤلاء قدموا خدمة للعراق من خلال عملهم الصحافي، وأن توقف إصدار الصحف مع أول أيام الحظر، تسبب في وقف إصدار الصحف ووقف عمل مئات الصحافيين، الأمر الذي يحتاج إلى تقديم الدعم المادي لهم".
من جانبهم، أثار أكاديميون ومثقفون مخاوفهم من أن يكون تعليق صدور الصحف بمثابة إطلاق "رصاصة الرحمة" على الصحف الورقية، على اعتبار أنّه بات بالإمكان الاستغناء عنها لمدة أسبوع أو شهر أو أكثر، من دون التأثير على تداول الأخبار. يقول الأستاذ الجامعي في كلية الإعلام، باسم العامري، إنّ "الصحف الورقية بقيت تصارع طيلة الفترة السابقة من أجل البقاء في وجه الصحافة الإلكترونية، وقد أحاطت بها مصاعب كثيرة أجبرت عدداً من الصحف على التوقف، وكان منها عوامل مادية في ما يتعلق بكلفة الطباعة مع ضعف الشراء لتلك الصحف التي بدأت لا تلبي قدرة إصدارها، فضلاً عن أسباب سياسية تتعلق بتغيير النظام وتبدل الحكومات التي تدعم كل منها صحفاً معينة".

ويؤكّد أنّ "تلك التداعيات أنهت إصدار العديد من الصحف، إلا أن بعضاً منها استمر، كما صدرت صحف جديدة تابعة لأحزاب معينة"، مشيراً إلى أن "التهديد الأكبر لتلك الصحف هو الصحافة الإلكترونية، وتلاشي جيل قراء الصحيفة الورقية، حيث إن الجيل المتصدر حالياً اعتاد على الصحافة الإلكترونية". ويعبّر عن مخاوفه من أن "يكون التوقف الأخير هو نهاية أو طلقة رحمة لكثير من الصحف، لا سيما أنّ قرّاءها القلّة والمؤسسات الحكومية التي تقتنيها تستطيع الاستغناء عنها لفترات معينة من دون أن تتأثر بالحصول على الخبر الذي باتت تحصل عليه من الصحافة الإلكترونية". ويضيف "لا يمكن للصحافة الورقية أن تصمد كثيراً في ظل كل تلك التحديات، بالنهاية ستجد الصحيفة الورقية نفسها غريبة مع التطور الزمني، وسرعة نقل الخبر إلكترونياً".
وتصدر في العراق نحو 10 صحف يومية؛ أبرزها "الصباح" شبه الرسمية والمموّلة من الدولة، فضلاً عن صحف "الزمان" و"المدى" و"الصباح الجديد" و"العالم" و"الدستور" و"الاتحاد" و"التآخي" وغيرها.
يؤكد أصحاب مطابع الصحف الورقية أن اعتمادهم اليوم في العمل على تلك الصحف ضعيف جداً، وأنهم يطبعون بعض الصحف بأعداد محدودة. ويقول برهان الشيخلي، وهو صاحب إحدى المطابع في بغداد، إنّ "تطوّر عمل الطباعة الحديثة لم يشفع لنا باستمرار طباعة الصحف، إذ إنّ الكثير من تلك الصحف توقف عن الصدور خلال السنوات الأخيرة".
ويضيف الشيخلي "كان عملنا سابقاً يعتمد في الأساس على الصحف الورقية، أما اليوم فباتت عملاً ثانوياً. وحتى الصحف التي نطبعها اليوم، تطبع بأعداد محدودة جداً، وفقاً للتعاملات التي قطعتها إدارات تلك الصحف بتزويدها لدوائر ومؤسسات معينة"، معتبراً أنّ "التطور التكنولوجي وسرعة الخبر الإلكتروني بات التهديد الأكبر الذي قد لا تصمد أمامه الصحف الورقية".
وبدأ قرّاء الصحف يعتادون على التصفّح الإلكتروني للأخبار، رغم صعوبتها بالنسبة لهم في بعض المرات، إلا أنها باتت أسهل بكثير من الحصول على الصحف الورقية، بحسب ما يرونه. يقول المدرس المتقاعد "أبو فلاح" (68 عاماً): "اعتدت منذ عدة سنوات أن أقرأ إلكترونياً عبر جهاز كمبيوتر، بعدما فقدت أغلب الصحف أو شح تداولها في المكتبات".
ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّه "عندما امتنعت أغلب المكتبات من توفير الصحف التي اعتدت قراءتها، لجأت الى جهاز الكمبيوتر، أتصفح فيه الأخبار والمقالات بشكل يومي". ويقول "القراءة في الصحف الورقية لها متعة خاصة لا أجدها في الصحافة الإلكترونية، إلا أن صعوبة الحصول على الصحيفة جعلنا نستغني عنها، مجبرين".

المساهمون