كورونا واندثار منظمة التحرير

25 ابريل 2020
الصورة
طوارئ صحية في الضفة الغربية (العربي الجديد)
+ الخط -

 


تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية بهدف واضح وصريح، وهو تنظيم الشعب الفلسطيني وتعبئة طاقاته عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، في معركة تحرير فلسطين، بعد أن أوحى تنامي حركة التحرر الوطنية في سبعينيات القرن المنصرم بتحققه. مما أكسب المنظمة شرعية نضالية وشعبية غير قابلة للتشكيك، تبعها اعتراف دولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. لكن وبمضي السنوات تراجع حضور العمل المسلح، واهتزت شرعية المنظمة شعبيا، وتحولت ببطء من كيان سياسي يعمل على تنظيم الشعب الفلسطيني إلى مجرد رمز تاريخي ثابت، وعاجز عن أي فعل مهما بدا صغيراً، لكنه مدعوم سياسيا من النظام الرسمي العربي والدولي، وممول منهما؛ ولو بحدود دنيا؛ مما أكسبه قدسية وأهمية يحظر المساس بها، أو حتى مجرد نقدها، والمطالبة بتحديثها وتطويرها مهما كانت الأسباب.

وعليه فقد حافظت المنظمة على حضورها الإعلامي ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، رغم غيابها الفعلي عن تمثيل أي من التجمعات الفلسطينية المتعددة، أو حتى الدفاع عن أبسط حقوق هذه التجمعات، حتى بتنا؛ وبات العالم أجمع؛ غير مكترث بأي من بيانات المنظمة السياسية والإعلامية، نظراً لدبلوماسيتها المبالغ بها، ولا سيما إزاء الداعمين الدوليين والإقليميين، وتجاه النظام الرسمي العربي. وبحكم عجزها عن تغيير ظروف وأوضاع الفلسطينيين، وصولاً إلى عدم اكتراثها بتنظيم الشعب وتعبئة طاقاته في معركة التحرر المفقودة. وعليه باتت المنظمة من ناحية نظرية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني، بينما على أرض الواقع كان الشعب الفلسطيني وبمختلف تجمعاته وحيداً في مواجهة جميع الأزمات والصعاب التي عصفت به، كالاحتلال، وحصار وتدمير المخيمات داخل وخارج فلسطين، بالإضافة إلى تردي الواقع الخدمي، وممانعة الدول المضيفة تحسين هذه الخدمات، أو بالأصح تنفيذ الحد الأدنى منها، مرورا بمئات التقييدات والقوانين والإجراءات التعسفية التي قيدت عمل الفلسطيني مهنيا وسياسيا، بتفاوت نسبي من مكان إلى آخر وكذلك من صعيد إلى آخر. وفي ظل كل هذه الظروف تأتينا اليوم أزمة انتشار وباء كورونا، وهي أزمة عاصفة تهدد الحياة البشرية قاطبة، وبكل تأكيد تمثل تهديدا أكبر للفلسطينيين نتيجة ظروفهم وأوضاعهم الكارثية.

وعليه يفتقد الفلسطينيون اليوم لقيادة حقيقية تمثلهم، وتدافع عنهم، وتنظمهم في مواجهة هذا الخطر الفيروسي، قيادة لا تكتفي بعمل الجمعية الخيرية التي توزع المعقمات والأقنعة الواقية، بل تعمل على فضح تقصير المجتمع الدولي والدول المضيفة تجاه الفلسطينيين عموما، وتجاه سلبهم عوامل الحياة والتصدي لهذا الفيروس الخطير، بدل أن تتملق هذه الجهات مهما بالغت في عنصريتها وعدم إنسانيتها تجاهنا. قد يلومنا بعضهم على تحميل منظمة التحرير مسؤولية الصعوبات التي تعيق قدرات الفلسطينيين في مواجهة الوباء، لمحدودية سلطاتها داخل وخارج فلسطين، وضعف قدراتها المالية، وضحالة إمكانياتها اللوجستية الطبية والإعلامية. لكن هذا لا يعني تبرئة المنظمة من المسؤوليات المترتبة على ممثلي الشعب الفلسطيني، أو بالأصح على مدّعي ذلك.

فلم تعد حركة التحرر والنضال المسلح والتعبئة الجماهيرية مصدرا لشرعية المنظمة حتى زمان غير معلوم، وعليه ألا يحق لنا التساؤل عن مبعث شرعية منظمة التحرير اليوم، وعن دورها ومهامها عموما، وفي هذه الظروف خصوصا، فإن كانت للدفاع عن حقوق الفلسطينيين؛ اللاجئين و غير اللاجئين؛ الوطنية والمعيشية، فمن حقنا الامتعاض، بل والغضب منها على سلبيتها المفرطة تجاه أوضاع المخيمات الفلسطينية في كل من سورية ولبنان والعراق، بل وحتى في داخل فلسطين. أما إن كانت؛ المنظمة؛ مجرد وسيط بين المخيمات والدول المضيفة تنحصر مهمتها في استجداء عطف وكرم وسماحة النظام الرسمي العربي، فمن الأفضل استبدالها بلجان أهلية محلية غير فصائلية من داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية، كونها الأقدر على تمثيل آلام ومعاناة الفلسطينيين اليومية، بل قد تكون الأقدر على إبراز القدرات والمساهمات النوعية للمخيمات تجاه المجتمعات المستضيفة، مما قد يكلل جهودها بنجاحات لا نحلم أن تنجح المنظمة بأي منها اليوم. وبالتالي فقد عجزت المنظمة عن تنفيذ الأهداف التي اقتضت بناءها، كما عجزت عن حماية الفلسطينيين والدفاع عنهم من تعديات الاحتلال ومن ظلم ذوي القربى في النظام الرسمي العربي، لذا فمن الأجدى لنا اليوم البحث عن هيكل تنظيمي قادر على حمل راية الدفاع عن التجمعات الفلسطينية، وتمكينها من مواجهة تحديات الحياة اليومية والخاصة كوباء كورونا، كما يحق لنا البحث عن إطار سياسي جديد يحمل القضية الفلسطينية بعدما عجزت أو قصرت المنظمة في ذلك.

 

 

 

 

المساهمون