كورونا والترامبية: قبلة الموت

24 مارس 2020
الصورة
سقط ترامب في الامتحان (إريك بارادات/فرانس برس)
+ الخط -
أفرغ فيروس كورونا المستجد "الترامبية"، أو ظاهرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من ثلاث ركائز رئيسية كانت المبرر الوجودي لصعودها في العام 2016. أولاً، العلم كأساس أو منطلق لصياغة السياسات العامة. تماهياً مع القاعدة المحافظة، رفض ترامب منذ بدء مسيرته السياسية قبول الإثباتات العلمية، وروّج لنظريات مؤامرة تعتبر اللقاحات مصدراً لأمراضٍ مزمنة. هذا الفيروس المستجد فرض إعادة الاعتبار إلى العلم الأميركي عبر الاستثمار والأبحاث في العلاجات الطبية.

ثانياً، أمعن ترامب في التشكيك بدور الحكومة الفيدرالية أو ما يسميه "الدولة العميقة" كخصمٍ سياسي له، وحرص على تشكيل مراكز قوة بديلة في الإدارة تدين بالولاء له فقط. "كورونا" أعاد الاعتبار إلى مرجعية الحكومة الفيدرالية، على الأقل خلال مراحل الأزمات الكبرى، وبالتالي هي مرةٌ أخرى الرافعة الوحيدة لاقتصاد يتهاوى، كما تُكرّس نفسها حالياً لكل الأميركيين من دون تحزب.

ثالثاً، فرض كورونا على ترامب التواضع، بعدما كان يتباهى بأنه الأفضل في مقارعة كلّ خصومه، وبأن الأسواق المالية لا تطرب سوى لسياساته، وبأنه وحده القادر على إصلاح النظام الأميركي. الآن، خرجت الأمور عن السيطرة.

سقط ترامب في أول امتحان كبير، وكشفت هذه الأزمة نقص خبرته في إدارة الشأن العام. بعدما ألغى في العام 2018 وحدة مواجهة الأوبئة في مجلس الأمن القومي، وتجاهل بداية العام الحالي التقارير الاستخبارية التي حذرت من انتشار الفيروس في الولايات المتحدة، يرفض الرئيس الأميركي إعلان إغلاق عام لاحتواء الوباء، كما تُسارع إدارته لوضع استراتيجية تموين وطنية. ظلّ كعادته يرفض تحمل المسؤولية ويلوم الإعلام أو "الفيروس الصيني"، من دون إظهار تعاطف مع الأميركيين. غير أنه نجح في لعبة الرأي العام عبر إظهار كأن الرئيس يدير الأزمة، لكن لولا لم تبادر الولايات مثل واشنطن ونيويورك بإجراءاتها، لكانت الأمور أسوأ.

خسر ترامب أيضاً أوراقاً رئيسية في معركته الانتخابية. كلفة "كورونا" حتى الآن 1.7 تريليون دولار، ولم يتوقف بعد العداد اليومي. الركود الاقتصادي أصبح محتوماً. وقد يضطر الرئيس إلى رفع القيود التي فرضها على قانون سلفه باراك أوباما للرعاية الصحية، لعدم حرمان بعض الأميركيين من الطبابة في هذه المرحلة. كما خسر ورقة حربه التجارية مع الصين، بعدما اضطرت إدارته إلى إعفاء السلع الطبية الصينية المستوردة من الرسوم، لتدارك نقصها في الأسواق، وبعدما أدرك أن الأغلبية المطلقة من المضادات الحيوية الأميركية تأتي من الصين، اضطر الرئيس إلى استخدام قانون الإنتاج الدفاعي الذي يجبر الشركات الأميركية على تصنيع الإمدادات الطبية وبيعها للحكومة الفيدرالية.

أدرك ترامب أن الفرادة الأميركية التي أراد فرضها عبر سياسات انعزالية قد تبني جداراً حدودياً، لكنها لا تمنع دخول فيروس، وأن مثل هذه التحديات تحتاج إلى قيادة دولية مفقودة حالياً في واشنطن. ترامب معتادٌ على مواجهة خصوم ملموسين يتمكن من قتلهم بالسلاح أو السخرية، لكنه يواجه اليوم عدواً غير مرئي يأخذ وقته في نهش رئاسته. هذا لا يعني بالضرورة خسارته الانتخابات هذا الخريف أمام حزبٍ ديمقراطي وضع نفسه في العزل السياسي الطوعي خلال هذه الأزمة، لكن كورونا أسقط الترامبية كظاهرة.

المساهمون