كورونا لبنان... المواجهة مستمرة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي

25 ابريل 2020
الصورة
تحيّة من خلف زجاج قسم الطوارئ (حسين بيضون)

مذ وصل كورونا الجديد إلى لبنان، راح يتكرّر اسم مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، حيث تدور معركة صحية مع الفيروس. في تلك المواجهة، انخرط أطباء وممرضون وعمال نظافة وآخرون

في 20 فبراير/ شباط الماضي، استقبل مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت أول إصابة بفيروس كورونا الجديد في لبنان، ليبدأ معركته وحيداً مع الوباء العالمي، في ظل تنصّل المستشفيات المنتشرة على الأراضي اللبنانية من أداء واجبها. وخلال أقلّ من 72 ساعة، جهّز عاملون جناحاً خاصاً لمرضى فيروس كورونا الجديد معزولاً عن بقية أجنحة مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت.

14 فريقاً من دائرة الهندسة والصيانة في المستشفى، نفذوا خلال وقتٍ قياسي ثلاثين مشروعاً للبنى التحتية من أجل تأهيل المستشفى بالتعاون مع الصليب الأحمر الدولي، وجهزوا طابقاً كاملاً يضمّ أربعة أجنحة معزولة وغرف طوارئ خاصة لمرضى الفيروس، مع ممرات ومصاعد منفصلة لا تتوقف إلا في الطوابق المخصصة لكورونا، وحرصوا على تركيب كاميرات وشبكة إنترنت وكابلات للتلفزيونات من أجل تسلية المرضى، مع تخصيص غرف سكنية لطاقم التمريض والعاملين في المستشفى.



في موازاة ورشة العمل هذه، جنّد الطاقم الطبي نفسه إضافة إلى طلاب متطوّعين للتعامل مع فيروس لا يعرفون عنه شيئاً، والذي ظهر منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي في مدينة ووهان الصينية، وشلّ الحركة اليومية وأفرغ المدن من سكانها. على الرغم من ذلك، قرَّروا التطوّع لخدمة اللبنانيين معرّضين حياتهم للخطر، وقد وهبوا وقتهم كلّه للمرضى والمستشفى ولو على حساب عائلاتهم. وما زالوا يعملون بكلّ حبّ وإنسانية وتفهّم وتضحية على الرغم من الضغوط النفسية وحتى المادية التي يعانون منها.

لا وقت للإجازات
ليال عليوان، طبيبة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، ومتخصّصة في الأمراض الصدرية والعناية الفائقة، تطوّعت منذ تسجيل أول إصابة بكورونا في 20 فبراير/ شباط للعمل مع آخرين في القسم المخصص للفيروس. تتابع مرضى العناية ومن لديه صعوبات في التنفس، لأن الوباء يتسبب لكثيرين بمتلازمة الضائقة التنفسية الحادة (ARDS)، ما يحتم استخدام جهاز التنفس الاصطناعي للمريض، كما تؤكد لـ "العربي الجديد".



الصعوبات بنظر الطبيبة عليوان كثيرة، وتكمن في التعامل مع مرضٍ جديدٍ لا علاج له. كما أن الأدوية المستخدمة لا تشفي تماماً. يضاف إلى ما سبق صعوبة إقناع الناس بضرورة الالتزام بالحجر المنزلي لأنّه حتى الساعة يعد الحلّ الوحيد للحدّ من انتشار الفيروس. واللحظة الأصعب بالنسبة إليها كانت مشهد وفاة مريض من دون أن تكون عائلته قادرة على الاقتراب منه ووداعه. هذا أقسى ما يُمكن أن تراه أو تعيشه.

تقضي الطبيبة عليوان معظم وقتها في المستشفى من دون أي يوم راحة. "في هذه الظروف الراهنة لا وقت للإجازات، وكلّ ما يجب فعله هو الاهتمام بالمرضى". تتخذ الإجراءات اللازمة للوقاية من الفيروس كي لا تحمله أو تنقله إلى أهلها الذين تبتعد عنهم هذه الفترة، مشددة على أنّها لم تخف يوماً من كورونا لأن الأطباء معرّضون لمخاطر كثيرة في مسيرتهم وهذه ليست المرّة الأولى التي يتعاملون فيها مع مرض معد. وسبق أن خضعوا لدورات مكثفة في كيفية حماية أنفسهم من الأمراض المعدية.



من جهة أخرى، فإن التعامل مع المرضى، بحسب عليوان، لا سيما في غرفة الطوارئ، ليس بالأمر السهل. هؤلاء يبقون مدة 14 يوماً، وأحياناً أكثر، من دون أن يزورهم أحد، حتى أنه لا يمكنهم فتح الباب. من هنا، نحرص على الدخول إليهم بشكل متكرّر والاتصال بهم أو إيصالهم بطبيب متخصص في علم النفس، ونراعي مشاعرهم، خصوصاً أن كثيرين لم يتقبّلوا بدايةً الوضع، فتفهمناهم وحرصنا على توضيح الصورة لهم بشأن خطورة الخروج من المستشفى قبل الشفاء التام، وقد نجحنا في ذلك.

قاهر كورونا
نديم (اسم مستعار)، والذي فضّل عدم الكشف عن نفسه، يروي لـ "العربي الجديد" كيف أمضى 23 يوماً في غرفة في مستشفى رفيق الحريري الدولي، بعدما اكتشف إصابته بالفيروس نتيجة العوارض التي شعر بها وحتمت عليه أولاً التوجه إلى طبيبه الذي قال بداية إنه يعاني من الزكام، قبل أن ترتفع درجة حرارته ويتوجه إلى المستشفى لإجراء فحص كورونا، لتكون النتيجة موجبة.

ويقول إن الأعراض القوية بدأت تظهر في اليوم الثالث، وقد "أظهرت الفحوص أن لدي مشاكل في الرئة، ما جعلني أتنفس بصعوبة. كما تجاوزت حرارتي تسعاً وثلاثين درجة، وبقيت على هذه الحالة نحو أسبوع، مع سعال مستمرّ". ويلفت نديم إلى أنّه نادراً ما كان يستطيع النوم نتيجة الأوجاع التي كان يشعر بها، وانقطاع نفسه في أحيان كثيرة، ووصل إلى مرحلة كان من المحتمل إدخاله إلى العناية الفائقة قبل أن تتحسّن حالته لاحقاً. وفي إحدى المرات قال له الطبيب: "أنت قاهر كورونا". ويشير إلى أنه عاش ضغوطاً نفسية بعدما توفي قريبه من جراء فيروس كورونا، علماً أنه لم يختلط به أي أن العدوى لم تنتقل إليه منه. بل يعتقد أنه أصيبَ بالفيروس بعد زيارته مرتين متتاليتين وزارة التربية من أجل تعديل شهادة ابنته الجامعية".

يضيف نديم الذي نقل الفيروس إلى زوجته وابنه من دون أن تظهر أعراض لديهما ما دفعهما للتوجه إلى القرية، أن معاملة الممرضات والممرضين كانت جيدة جداً، فكانوا يقصدون غرفتي كلّ فترة للاطمئنان على حالتي ويحدثونني من بعيد على مسافة خمسة أمتار وأكثر، ويحرصون على الاهتمام بي وبنظامي الغذائي.



يتابع: "خلال الأيام العشرة الأخيرة، توقفت عن تناول الدواء وبدأت صحتي تتحسّن. لكنّ الطبيب فضّل أن أبقى في المستشفى فترة إضافية لضمان شفائي نهائياً، فبقيت 23 يوماً قبل أن أعود إلى بيتي". بالنسبة إليه، كانت التجربة صعبة جداً وعلّمتني الكثير. حتى أنني كنت ألجأ إلى الكتابة في بعض الأحيان لأعبّر عن مشاعري، خصوصاً أن الزيارات كانت ممنوعة عنّي.
وعلى الرغم من بقائه مدة كافية في الحجر، ما زال يحرص على اتباع إجراءات قاسية في المنزل، فيضع أغطية حيث يجلس، ويستخدم مرحاضاً خاصاً، ويستخدم صحوناً وأكواباً بلاستيكية.

خوف من العدوى
من جهة أخرى، سعى الممرضون والممرضات إلى التخفيف من معاناة المرضى، منهم إبراهيم قدماني، المشرف على قسم التمريض في مستشفى رفيق الحريري. يعمل ما بين 3 إلى 4 أيام في الأسبوع لمدة 12 ساعة وأكثر، وأحياناً 24 ساعة. يتابع الحالات والمشاكل الموجودة، خصوصاً المرتبطة بتجهيزات قسم كورونا، والوضع النفسي للمرضى. كما يعمل على التنسيق مع الصليب الأحمر والمستشفى أو الوزارة أو المستشفيات الأخرى لتأمين وصول المريض وإخراجه أيضاً.

ويشير قدماني لـ "العربي الجديد" إلى أنّ هذه الأزمة جعلتنا نعيش ضغوطاً نفسية كبيرة. "على الصعيد الشخصي، خفت أن أصاب وأنقل العدوى إلى زوجتي الحامل بطفلنا الأول. لذلك، فضّلت السكن وحيداً لكنها رفضت أن أتركها في هذه الظروف، وعمدنا إلى اتخاذ إجراءات مشددة داخل المنزل".

وعن أصعب اللحظات، يتحدّث قدماني عن طابق طوارئ كورونا الذي كان المشهد فيه مخيفاً جداً خصوصاً في ساعات الليل. كان عشرات الأشخاص يقفون في الصف والخوف باد على وجوههم، ويضعون الكمامات وتبدو أعراض كورونا عليهم، فيما عناصر الإسعاف ينتظرون في الخارج، والممرضون يسارعون لتحضير الغرف. لم أعش لحظات مماثلة سابقاً، وقد طبعت في ذاكرتي. ويشير إلى أنّ أطباع المرضى مختلفة، لكن المعاناة النفسية أكبر لدى المرضى في العناية الفائقة. في المقابل، نؤمن لهؤلاء وسائل الراحة كالإنترنت والتلفزيون وأرقام أطباء نفسيين إذا أراد أحد منهم التحدث مع الطبيب.



يحرص قدماني على ترك ملابس العمل في المستشفى. وعند وصوله إلى المنزل، يضع ثيابه في كيس خاص ويسارع إلى الاستحمام. كما يضع أغراضه الشخصية بعيداً عن أغراض زوجته.

نظافة
ولعمّال النظافة في مستشفى رفيق الحريري دورهم أيضاً في الحرب على كورونا، هم الذين يعرّضون حياتهم يومياً للخطر من أجل سلامة الجميع. آكي عاملة تنظيفات في مستشفى رفيق الحريري الجامعي منذ ثماني سنوات، تذهب يومياً الى عملها عند السادسة صباحاً حتى الخامسة من بعد الظهر، باستثناء الأحد وهو يوم عطلتها الأسبوعية. تقول لـ "العربي الجديد" إنها لا تخشى فيروس كورونا، وتؤكد أنها تتخذ الإجراءات الوقائية لسلامتها وتفادي إصابتها ونقل العدوى للآخرين. تضيف أنّها ترتدي ملابس خاصة للوقاية من الفيروس في المستشفى، وتغيّرها مرّات عدّة خلال النهار، وتقوم بتنظيف غرف المرضى والممرّات بالمعقمات وأدوات التطهير، وترمي النفايات خلال النهار. وعند انتهاء عملها، تذهب مباشرة إلى المنزل مع الالتزام بالإجراءات الوقائية. وتحرص في يوم عطلتها على ملازمة البيت وعدم الخروج إلى أيّ مكان.