كنتُ قطّة بلديّة
محمد علاء الدين
"قطّة وكمثرى" لـ ماري فيدن

قالت لي أمّي، راقدةً على فراشها، إنّها كانت قطّةً بلديّة منذ أربعين عاماً. نظرتْ إليّ، ونظرتُ إليها، أكمَلت أنّها تتذكّر هذا اليوم بدقّة؛ كانت نائمةً على الأريكة التي تحبّ في غرفة سيّدتها مها، استيقظت بعد غفوة قصيرة لتجد أنّ لها ساقين من سيقان البشر، وعينين تريان كثيراً جدّاً من الألوان. وقبل أن تدرك ما الذي حدث لها بالضبط، كانت مها تفتح الباب حاملةً طبقاً من الحليب.

أتذكّر كلّ شيء بوضوح، تقول أمّي. نظرَت إليها مها بمفاجأة تحوّلت إلى فزع، فتهاوى طبق الحليب من يدها متكسّراً على البلاط. سحبت الباب وأغلقته بعنف. جفلت أمّي متراجعةً من هذا الفعل العنيف، ثمّ هداها أنفها لرائحة الحليب اللذيذ. قعدت، مدّت طرف لسانها لاعقةً سطح الحليب الذي تعكّر ببعض التراب. شعرت بألم لم تعهده في ركبتيها، وتناهى لسمعها صوت تحطُّم ما. ثمّ ساد صمت. لم تستمتع أمّي بمذاق الحليب الممتزج بالتراب، هو أيضاً شعور لم تعهده.

اعتدلت، نظرت إلى نفسها في المرآة. رأت شابّة جميلة تنظر إليها، أجفلت، وعندما أجفلت أجفلت الجميلة في المرآة أيضاً. هي بغير رائحة، قالت أمّي لنفسها. اقتربت من المرأة بحذر، ولاحظت انعكاس الحركات. لمست بيدها يد الصورة، وأخذت تتأمّل جسداً عارياً. كانت هي رائحتها. شعرت ببرد غير معهود، وقادها عقلها إلى فتح باب خزانة قريبة. ارتدت ما يمكنها ارتداؤه، كما اعتقدت.

استخدمت أصابعها للمرّة الأولى: إبهام. وفي المرّة الثانية، أدارت أكرة الباب، انفتح. أطلّت برأسها بحذر، متشمّمةً ما حولها. ريح تدخل من ثقب في زجاج النافذة على يسارها. اقتربت بحذر. بعض من الدماء القليلة على حواف الزجاج، لها رائحة تعرفها. شتّت الجوع أفكارها كالعادة. وعلى منضدة في الصالة كانت تجلس وتأكل وتشرب، وعندما شعرت بالامتلاء استرخت، وبدأت تفكّر في النوم، لكنّ جرس التليفون انتزع منها هذه الفكرة. جرس طويل بدا لأذنيها أقلّ إزعاجاً بقليل ممّا تعوّدت عليه. اقتربت بتردُّد من جسد التليفون الأسود، ظلّت تنظر له محنيةً رأسها، وربّما أذنيها، وأدركت أنَّ لا ذيل لها لتحرّكه. أخيراً التقطت السمّاعة، كما أخبرتها ذكرياتها، ثمّ حصلت المعجزة. تكلّمتُ! هتفَت بي.

يمكنها أن تدير الباب وتخرج. يمكنها أن تخطو إلى العالم

ابتسمتُ. قلتُ آلو. قلتُها فعلاً. بدا الصوت عجيباً وغريباً، سمعتُ رنّةً مؤلمة في أذنيّ، وضعتُ السمّاعة. 

لقد يئس أحدهم من ردّك يا أمّي. ربّما في المرّات اللاحقة كنتِ أفضل كثيراً. نعم، كانت أفضل كثيراً، خصوصاً مع صديقاتي اللواتي كنتُ أشتهي، وكانت أفضل بعد مع اللواتي أردتُ صرفهنّ.

خطَت فآلمتها قدمها. تزمجر. تفهم جدوى الأحذية فتدسّ قدميها في حذاء خفيف في الغرفة التي أتت منها، قالت لي إنّها كانت المعجزة الأخرى؛ يمكنها أن تدير الباب وتخرج. يمكنها أن تخطو إلى العالم.

وكيف كان؟!

كان عظيماً. مشيتُ حتّى شعرتُ بالتعب، عقلي يخبرني بشيء ثم يرجع فيه، تتذبذب الأفكار لكنّها، ببطء، كانت تستقرّ. عندما شعرت مجدّداً بالجوع كنت سأدخل هذا المطعم، على ناصية الشارع العريض، أتتذكّره؟!

أقول بفرحة نعم.

كنتُ سأدخل لآكل، ثمّ يخبرني عقلي أنّني لا أملك نقوداً، وعندما أسأل نفسي عن النقود، يخبرني عقلي أنّها تلك الأوراق التي تمدّ مها يدها بها للناس وهي واقفة أمام باب، أو خلف طاولة. بدأتُ حتّى، في نفس اليوم، بالتحكّم في الجوع الذي يستبدّ بي كلّ ساعة، أو كلّما شممتُ رائحةً شهيّة.

ترفع أنفها في الهواء أمامي فجأة، ثمّ تقول إنّهم قد طهوا دجاجاً مجدّداً. أكره هذا الدجاج. أنظر إليها زامّاً شفتيّ، تباغتني؛ كنت أشمّ رائحة سجائرك دوماً، لا تنكر. لن أنكر.

تنظر إليّ وتبتسم، يبدأ جفناها بالاهتزاز، تسألني قبل أن تغيب في دوّامة جديدة لِمَ كان اسم عائلة أبي القط؟! أراقبها تغيب رويداً رويداً. أعتدل واقفاً وأمسك يدها لأقبّلها برفق. أرجعها لجوار جسدها برفق، وأنسلّ بخفّة إلى باب الغرفة، على أطراف أصابعي. في الأسفل يقابلني الدكتور أحمد صدفة في الممرّ الأبيض ذي الأنوار الساطعة. يسألني عن الأخبار، كيف كانت جلسة اليوم مع أمّي؟! أقول له إنّها قد أخبرتني بحكاية جديدة عجيبة، ولكنّها تتذكّر اسم عائلة أبي. جيّد، يهزّ رأسه ويبتسم ويذكّرني بزيارة الحسابات قبل أن يمضي. أمشي ببطء إلى الغرفة، أمدّ يدي بالنقود للموظّف الأصلع ذي النظّارة بلا إطار، والياقة البيضاء. أتسلّم الفاتورة، وفي أعلاها اسم أمّي: مها عبد الحكيم.


(مقطع من رواية "الأعراف")