كنائس تركيا... حكاية تاريخ مزدحم بالتبدلات

23 أكتوبر 2016
الصورة
منزل يعتقد أن مريم العذراء عاشت فيه (الأناضول)
+ الخط -
ربما الأتراك، هم أكثر من واجه التغيّر الديموغرافي الذي لحق بالمسيحيين، إن في آفسس التي تحوي آخر بيت سكنته مريم العذراء وبات محجاً للمسحيين حتى اليوم، أو إسطنبول التي شهدت مركز المسيحية الشرقية، أو حتى أنطاكية، التي تحظى بأهمية كبيرة لدى مسيحيي الشرق، كونها أحد الكراسي الرسولية إضافة إلى روما والقسطنطينية والقدس، وفيها أطلق على المسيحيين لقب مسيحيين أول مرة.
وأنتج الأتراك عن التهجير القسري الذي لحق بالمسلمين باليونان، قبل عملية التبادل، أفلاماً سينمائية ومسلسلات، لكنها حقبة تاريخية، مرت أو مررت بإرادة دولية عام 1955، تحوّل المسيحيون إثرها إلى أقلية بتركيا، كما المسلمون باليونان، لكن دور عبادتهم بقيت، أو معظمها على الأقل، شاهدة على تاريخ يوصف بالطويل والحافل، في الأناضول خاصة، والتي كانت جغرافيا للرسائل ومسقط رأس العديد من القديسين، أمثال بولس الطرسوسي، تيموثي، القديس نقولا وبوليكاربوس.
ما عزز من مركزية إسطنبول على نحو خاص، لتكون مركزاً للمسيحيين، ما قام به الإمبراطور قسطنطين عام 330 للميلاد، بنقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية، والتي أصبحت مركز المسيحية الشرقية لتمتد على الأراضي التركية الحاليّة الإمبراطورية البيزنطية، وتلعب دوراً هاماً في تاريخ المسيحية وتترك أثراً على الحضارة المسيحية الأرثوذكسية، إلى أن سقطت القسطنطينية على يد الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر.
ورغم أن التاريخ يقول إن العثمانيين سمحوا للمسيحيين أن يمارسوا شعائرهم الدينية بحرية تحت حماية الدولة، وفقًا لما تنص عليه الشريعة الإسلامية، لكن ظروفاً شتى وحروباً أخذ بعضها الطابع الروحي، أدت مجتمعة لتقليل عدد المسيحيين، الذي توّج كما أسلفنا، باتفاق التبادل بينهم وبين مسلمي اليونان خاصة، لتبقى جل المعالم ودور العبادة قائمة، رغم هجرة أصحابها.
سنأتي ذكراً وعلى عجالة، على أهم الكنائس التي مازالت قائمة بتركيا، لنفرد حيزاً للتي تبدلت منها فيما بعد، سواء إلى مساجد أو متاحف يزورها المسيحيون حتى اليوم، كآيا صوفيا على سبيل المثال.
- كنيسة سانت نيكولاس، تأسست في الوقت الذي توفي فيه القديس نيكولاس، المعروف ببابا نويل، وتقع في مدينة أنطاليا، كما يوجد بقربها متحف في ذكرى القديس نيكولاس، الذي ولد في باتارا، وقضى حياته كلها في الأناضول ودفن فيها، قبل أن يقوم بعض التجار بسرقة جزء من رفاته خلال الحروب الصليبية، ويأخذوه إلى باري، ليبقى بعض الرفات الذي يعتقد أنه ينتمي للقديس نيكولاس، محفوظا في متحف أنطاليا اليوم.
- كنيسة وبئر القديس بولس التي تقع في طرسوس في محافظة مرسين، وقد بنيت في القرن الثاني عشر ميلادي، وهي مسقط رأس القديس بولس وهو واحد من 12 من رسل المسيح، وهي مرشحة لإدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويقال إنه منها بدأ نشر المسيحية، وبالتالي هي واحدة من الوجهات الهامة للزوار المسيحيين، ويعتقد أن مياه بئر سانت بول في الحديقة لها تأثير شفائي. وتحوي الكنيسة لوحات جدارية للمسيح، ولكتب الإنجيل الأربعة وللملائكة.
- مدينة أفسس التي كانت مركزاً للمسيحية غرب الأناضول، ومن أهم معالم المدينة معبدها الرئيسي الذي أقيم على ضريح متهدم، ومجمع أفسس الذي يعد واحداً من سبع كنائس تم ذكرها في سفر الرؤيا. وأفسس هي من المدن التي أسستها مدينة روما في عصر الدولة اليونانية القديمة، وهي إحدى عجائب الدنيا القديمة، وقد بلغ عدد سكانها 255 ألفاً، وذلك قبل الميلاد بقرون.
- كنيسة مريم العذراء تقع قرب قمة جبل بلبل بالقرب من بلدة سلجوق في محافظة أزمير، وتقع وسط غابات، ويعتقد أنها المكان الذي قضت فيه مريم العذراء السنوات الأخيرة من حياتها قبل وفاتها، وأعلنت هذه الأرض المقدسة، مركز حج للمسيحيين في عام 1961، وتجذب الانتباه أيضا لمجموعة متنوعة من التحف القيمة المكتشفة خلال الحفريات التي أجريت في المنطقة.
- كنيسة القديس يوحنا تقع في كاتدرائية ضخمة في المدينة القديمة أفسس، ولها ست قبب، وقد بنيت في القرن السادس، ويعتقد أن واحدة من المقابر الثلاث التي تم اكتشافها خلال الحفريات في المنطقة، تنتمي للقديس يوحنا، ولكن لم يتم العثور على أي بقايا في المقابر الأخرى، ومن المعروف أن الرفات تم نقله إلى كنيسة الرسل في إسطنبول، في القرن الثالث ميلادي.
- كنيسة سانت بيتر أو القديس بطرس، تقع في سفوح جبل الحج في ولاية هاتاي، وفيها كهف يقال إنه المكان الذي ألقى فيه القديس بطرس أول خطبة له، وتم ترميمه وتحويله إلى كنيسة، بعد أن تبنى الرومان الديانة المسيحية، وكانت الكنيسة ملجأ لأول المسيحيين، والبابا الأول، والقديس بطرس.
- كنيسة سانت جورج، هي كاتدرائية رئيسية للروم الأرثوذكس، وكانت مقراً للبطريركية في القسطنطينية، تقع في الشمال الغربي من وسط مدينة القسطنطينية التاريخية القديمة - إسطنبول - وخلف الكنيسة توجد مكاتب البطريركية ومكتبة البطريركية، وكانت الكنيسة جزءا من الدير قبل أن يصبح مقر البطريرك، هذه الكنيسة متواضعة ظاهريا، ولكن باطنها مزخرف ومميز.
- كنيسة سانت أنطونيوالي تقع في شارع الاستقلال، بمنطقة "بي أوغلو" في إسطنبول، وقد أنشئ المبنى في 23 آب/ أغسطس عام 1906ميلادية، من قبل المعماري كيوليو الذي ولد في إسطنبول، ويدير الكنيسة الرهبان الإيطاليون، وتعد من أكبر كنائس الكاثوليك في إسطنبول، وتمتاز بقاعدة جماهيرية كبيرة، وقد فتحت هذه الكنيسة للعبادة في 15 شباط/ فبراير عام 1912 ميلادية.
- دير سوميلا، أو دير مريم العذراء، تأسس على المنحدرات الحادة في ماتشكا، بالقرب من طرابزون في القرن الرابع، وتم تحسين الهيكل في القرن الـ 18 والـ 19، وزين بصور عديدة من المشاهد التوراتية، ويتكون مجمع الدير من كنيسة الصخرة، مصليات وغرف الطلاب، وكذلك مكتبة الربيع المقدس ومطبخ وبيت الضيافة.
هذه بعض الكنائس الشهيرة والقائمة حتى اليوم بتركيا، فضلاً عن كنائس أخرى، ربما أكثر منها شهرة وأهمية، لكنها تحولت إلى مساجد للمسلمين وبقيت كذلك حتى اليوم، أو عادت لمتاحف بعد تحويلها لجوامع، وربما آيا صوفيا أهمها وأكثرها شهرة.
بنيت آيا صوفيا في عهد الإمبراطور جستنيان عام 532، واستغرق بناؤها حوالى خمس سنوات حيث تم افتتاحها رسمياً عام 537م، واستمر مبنى آيا صوفيا على مدار 916 عاماً كتدرائية ولمدة 481 عاماً مسجداً. ومنذ عام 1935 أصبح متحفاً، وهو من أهم التحف المعمارية في تاريخ الشرق الأوسط .
وتأتي كنيسة "كارية أو تشورا" قليلة الشهرة مقارنة بآيا صوفيا، بمرتبة متقدمة بهذا الشأن، إذ مرت بمراحل آيا صوفيا ذاتها، هي موجودة اليوم في حي أديرنة كابيه، في الجزء الغربي لمنطقة الفاتح باسطنبول واحدة من الكنائس القليلة الباقية من العهد البيزنطي، إذ يعود تاريخ بنائها إلى القرن السادس الميلادي. وبعد فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح بقيت كنيسة، لتتحول بعد 58 عاما من الفتح، إلى جامع، بعد قرار من قبل الصدر الأعظم علي باشا عام 1511، وأثناء التحويل تم مسح كل اللوحات الجدارية والموزاييك عن الجدران، ليتم إغلاق الجامع عام 1956 وتتحول حتى اليوم إلى متحف.

المساهمون