كريم بلقاسم: نصف الحقيقة

كريم بلقاسم: نصف الحقيقة

26 يناير 2015
الصورة
من الفيلم
+ الخط -

للمرّة الثانية، يتّخذ أحمد راشدي من أحد قادة ثورة التحرير الوطني بطلاً لأحد أفلامه، "كريم بلقاسم". إذ كان فيلمه الروائي الطويل "مصطفى بن بولعيد" (2008)، أوّل عمل سينمائي يخرج من دائرة البطولة الجماعية في الأفلام "الثورية" إلى فكرة البطل الواحد، التي تتناول سِير شخصيات حقيقية في تاريخ الثورة، وتقاربهم كبشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

لكن التعاطي مع موضوعة الثورة من هذه الزاوية مليء بمحاذير يفرضها التعامل مع شخصيّات حقيقيّة بعضها ما زال على قيد الحياة، ما يعني فتح باب الانتقادات بالإساءة إلى التاريخ أو التعامل معه بانتقائية، أو تشويه شخصية ما وتقزيم دورها، أو تلميع شخصية أخرى وتضخيم دورها على حساب الحقيقة التاريخية.

واجه راشدي بعض تلك الانتقادات في فيلمه السابق، دون أن يثنيه ذلك عن معاودة الكرّة مع شخصية جدلية كانت ضمن النواة المفجّرة لثورة نوفمبر 1954، وحامت حولها الشكوك في التورّط في اغتيال المناضل عبّان رمضان الملقّب بـ "مهندس الثورة"، كما لعبت دوراً رئيسياً في مفاوضات إيفيان التي جمعت، بوساطة سويسرية، وفدي "جبهة التحرير الوطني" ووفد الحكومة الفرنسية بين سنتي 1960 و1962.

يبدأ الفيلم، الذي يستغرق ساعتين ونصف، بمشهد بانورامي لإحدى قرى آيت يحيى موسى في ذراع الميزان (ولاية تيزي وزو)، يجسّد عودة كريم بلقاسم (الممثّل سامي علّام) من الخدمة العسكرية الإجبارية والاستقبال الذي حظي به في أسرته، ورفضه الرضوخ لسلطة الاحتلال التي ستحكم عليه بالإعدام بتهمة القتل والتحريض على التمرّد.

تنجح كاميرا حميد أكتوف (مدير التصوير) في نقل جمال الطبيعة الجبلية لمنطقة القبائل، لكن بعض التفاصيل تسقط في الصورة. هكذا، ببساطة، يمكنك مشاهدة سيّارات وعمارات حديثة وعدّاد كهرباء في البيت المضاء بالفوانيس (نحن في عام 1947).

في القرية دائماً، يرتدي الجميعُ ملابس جديدة ناصعة البياض، وسط ديكور فولكلوري احتفالي، وهو ما يعني استسهال صاحب "الأفيون والعصا" للعمل التاريخي. إلى جانب ذلك، لم يكن موفقاً اعتماد اللغة العربية في بيئة تتحدّث اللغة القبائلية. وكأن الفيلم، الذي موّلته وزارة المجاهدين ووزارة الثقافة، درساً بيداغوجياً هدفه تلقين التاريخ وليس مقاربته سينمائياً، بما يقتضيه ذلك من وفاء للمعطيات التاريخية المتعلقة بالزمان والمكان والملابس واللغة.

يتتبّع العمل مسار كريم بلقاسم الثوري، بدءاً من التحاقه بصفوف حزب "الشعب" بقيادة الزعيم التاريخي مصالي الحاج، ثم بـ "جبهة التحرير الوطني" ومشاركته في ما يُعرف بـ "اجتماع الستة" الذي سبق تفجير الثورة، ثم تولّيه قيادة المنطقة الثالثة (قسّمت قيادة الثورة الجزائر إلى خمس مناطق عُيّن قائد عسكري على رأس كل منها)، وقيادته عدداً من العمليات العسكرية ضد الاحتلال الفرنسي، ثم مشاركته في مؤتمر الصومال عام 1956، الذي أفرز هيكلة جديدة للثورة.

يظهر بلقاسم، في الفيلم، كمحرّك رئيسي لأحداث الثورة التحريرية، وهو ما يتّفق مع ما يؤكده المؤرخون من أنّ العقداء الثلاثة، كريم بلقاسم ولخضر بن طوبال وعبد الحفيظ بو الصوف، المعروفين بـ "الباءات الثلاثة"، كانوا الأكثر قوة على الأرض والمخططين الرئيسيين لاستراتيجياتها الكبرى. لكن في المقابل، ظهرت شخصيات أخرى بشكل باهت، مثل العقيد زيغوت يوسف الذي أخذ مساحة مجهرية في الفيلم.

رغم ذلك؛ احتفظ سامي علام بتقاسيم وجهه من بداية الفيلم إلى نهايته، إذ ظلّت ملامحه نفسها في لحظات الانفعال والحزن والسعادة والغضب والتأثّر، بينما كان الممثلان أحمد رزّاق في دور أعمر أوعمران ومصطفى لعريبي في دور عبّان رمضان الأكثر قوّة وإقناعاً.

يتناول الفيلم، الذي كتبه الرائد عز الدين والصحافي بوخالفة أمازيت، جدلية السياسي والعسكري، ويتطرّق بشكل غير مسبوق، إلى الخلافات والصراعات بين قادة الثورة، ويثير قضيّة اغتيال عبّان رمضان في المغرب عام 1957، التي ما زالت تثير الجدل حتى اليوم، دون تحميل جهة ما مسؤولية ذلك. من الواضح أن راشدي تجنّب إثارة أي جدل حول الموضوع، لكنه يشير إلى أن رفقاء السلاح تخلصوا من عبّان بسبب خلافات في الرؤية.

ويستمر الفيلم في رصد مسار بلقاسم؛ مروراً بمرحلة تونس إلى غاية مفاوضات إيفيان التي انتهت بتقرير المصير الذي تُوّج بالاستقلال. وهنا ينتهي الفيلم، أي قبل ثماني سنوات كاملة من نهاية مسار بطله الذي سيصبح واحداً من معارضي النظام الجزائري بعد الاستقلال.

يبرّر راشدي خياره هذا بمسوّغ غريب، هو عدم حصوله على معطيات كافية حول اغتيال كريم بلقاسم، وكأنّ المطلوب منه هو إنجاز تحقيق صحافي عن القضيّة، مضيفاً أن ما تبقّى من حياة الرجل يحتاج إلى فيلم آخر.

وبالطبع؛ يحتاج الفيلم الآخر إلى مخرج آخر أكثر جرأة من أحمد راشدي الذي بدا ملتزماً بمقرّرات وزارة المجاهدين. والمؤكّد أنه سيكون مخرجاً من زمن آخر أيضاً، غير زمن التاريخ الرسمي للثورة التي أكلت أبناءها.

المساهمون