كتابة الثورة الجزائرية: نزاع على المقود

17 اغسطس 2016
الصورة
(احتفالات "يوم النصر" في الجزائر، 1962)
+ الخط -

يوم الخميس الماضي، منعت السلطات الجزائرية تنظيم لقاءٍ استعادي في الذكرى الحادية عشرة لرحيل رئيس حزب "الحركة الديمقراطية الاجتماعية" سابقاً، الهاشمي الشريف، كان مقرّراً عقدُه في أحد المراكز الثقافية في وهران، غربي الجزائر.

كان يُمكن اعتبار ذلك أمراً عادياً في سياق عدم الترحيب بالأحزاب والشخصيات السياسية التي تُعارض السلطة أو لا تتقاسمها كثيراً من مواقفها. لكن شريف (1939 - 2005) لم يكُن سياسياً معارضاً ونقابياً "شرساً" فحسب؛ بل كان مناضلاً في الثورة التحريرية (1954 - 1962)، ما حدا بمناضلين في حزبه إلى اعتبار منع اللقاء مؤشّراً على "ازدراء الحكومة واحتقارها أحدَ صانعي الاستقلال ومناضلاً سياسياً من طينة الرجل"، مشيرين، في تصريحات إعلامية، إلى أن اللقاء وُوجه منذ البداية بعقبات إدارية.

تُعيد الحادثة إلى الأذهان ذلك التداخل الذي ظلّ قائماً بين السياسي والتاريخي؛ بحيثُ يبدو الأوّل هو القوّة المتحكّمة في توجيه الثاني بحسب الظروف والمعطيات الراهنة. هكذا، يجري، على المستوى الرسمي، تمجيد شخصيات ومحطّات تاريخية وجغرافية في مقابل التجاهل أو الحطّ من أخرى، وفقاً للمعطيات السياسية.

ومع أن السلطة القائمة منذ الاستقلال تعتمد، كمبرّر لبقائها، على "الشرعية التاريخية"، وهو مصطلح يُحيل إلى مشاركة الفاعلين فيها (السلطة) في الثورة التحريرية، إلّا أن المشاركة في الثورة لم تكن وحدها العامل الأساسي في رسم ملامح الصورة الرمزية التي يجري تقديمها، بل كثيراً ما كانت درجة الاقتراب من السلطة والتوافق معها هي ما يُحدّد الخطوط العريضة لتلك الصورة. وعليه، تعرّض الكثيرون من المناضلين إلى التجاهل والإقصاء في حياتهم، وبعد رحيلهم أيضاً.

تتجلّى تلك الممارسة على مستويات عدّة تُشكّل في مجملها ما يُسمّى بالتاريخ الرسمي، من بينها الخطاب السياسي الذي يميل إلى التعامل مع تاريخ الثورة بشكل انتقائي، وأيضاً المناهج التعليمية التي تبدو مجرّد انعكاس للمزاج السياسي.

في المدرسة الجزائرية، لم يكتف القائمون على مناهج التاريخ باختزال تاريخ الجزائر بين 1830، سنة بدء الاحتلال الفرنسي، و1962 سنة الاستقلال، بل عمدوا إلى تحاشي ذكر أحداث كبيرة في الثورة ذاتها، وأسماء بارزة؛ كما هو الحال بالنسبة إلى أحمد بن بلّة أوّل رئيس للجزائر المستقلّة، أو بن يوسف بن خدّة، رئيس الحكومة المؤقّتة، أو مصالي الحاج الذي يوصَف بأنه أبو الحركة الوطنية.

مؤخّراً، شنّ أعضاء في حزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم ما يُشبه حملة ضدّ أسماء تاريخية وقّعت رسالةً طالبت فيها بعزل الأمين العام الحالي للحزب، عمّار سعداني، من منصبه، وندّدت بما سمته "استحواذه وثلّة من رجال الأعمال المشكوك فيهم على اسم الجبهة، رمز ثورة نوفمبر، لأغراض شخصية".

كان لافتاً أن الردود على الرسالة، التي حملت عنوان "نداء المجاهدين من أجل انعتاق جبهة التحرير الوطني المسلوبة"، لم تتضمّن محاججات سياسية، بل ذهبت إلى حدّ تخوين الموقّعين والتشكيك في نضالهم السياسي، واستعملت عبارات من قبيل: "مجموعة ادّعت أنها من رعيل الثورة، وتجرّأت على المساس بالأمين العام"، و"اذهبوا إلى المتحف أحسن لكم من الكلام الفارغ".

المفارقة أن هذا الكلام وُجّه إلى مناضلين بارزين، من بينهم: عبد المجيد شريف، ومحمد عبد الملك، ووالي آيت أحمد، وعبد القادر بلعربي، وزهرة ظريف بيطاط، ومريم بوحمزة، وعبد الرحمان شريف مزيان، ومولود دهلال، وحبيب ڤرفي، وجلالي ڤروج، وياسف سعدي، في وقت لا يُعرف للأمين العام للحزب أي تاريخ نضالي مماثل.

حملةٌ مشابهة كان قد تعرّض إليها مناضلون كشفوا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي عن رسالة وجّهوها إلى الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، طالبوا فيها بلقائه، وشكّكوا في أن يكون هو من اتّخذ عدداً من القرارات "الهامّة"، التي صدرت في الفترة الأخيرة. ومن بين هؤلاء، عبد القادر ڤروج، ولخضر بورقعة، وزهرة ظريف بيطاط.

في حديثها مع "العربي الجديد"، تُقلّل ظريف بيطاط (1934) من أهمّية الحملات التي يتعرّض لها مناضلون بسبب مواقفهم السياسية، مُعتبرةً أن "تاريخ الجزائر كُتب بالدم ولا يُمكن تغييره".

بالنسبة إلى بطلة "معركة الجزائر" (1956 - 1957) وصاحبة كتاب "مذكّرات امرأة مناضلة"، فإن "السياسة متغيّرة، بينما التاريخ ثابت. لا أحد بإمكانه العودة إلى الماضي ليبدّل ما يريد تبديله"، معتبرةً أن ما يجري من مماحكات طبيعي، وليس حكراً على الجزائر، وليس أمراً جديداً أيضاً. لكنها، في المقابل، تشير إلى وجود "أطراف توظّف التاريخ لخدمة مصالحها السياسية".

يبدو تأثير الخطاب السياسي على تداول التاريخ أمراً واضحاً. لكن، إلى أيّ مدىً يؤثّر في عملية كتابة تاريخ الثورة من طرف المؤرّخين الذين يُفتَرض أن يكونوا موضوعيين وبمنأىً عن التأثيرات السياسية؟ سؤال طرحناه على الأكاديمي والباحث في تاريخ الثورة، عامر رخيلة، فأجاب بالقول إن رجال السياسة ظلّوا يتحكمّون في توجيه العملية التأريخية منذ الاستقلال، مُبدياً أسفه من "انخراط المؤرّخين في توجّهات السلطة".

يستشهد رخيلة بعهد الرئيس هواري بومدين، الذي أحدث، حسب قوله، قطيعةً بين التاريخ والحركة الوطنية: "كانت لديه عقدة من جبهة التحرير الوطني، فقام بإبعاد الباءات الثلاثة من السلطة (كريم بلقاسم، عبد الحفيظ بوالصوف، لخضر بن طوبال)، كما كان له موقف سلبي من الحكومة المؤقّتة. ولذلك جاءت صياغة التاريخ انطلاقاً من توجّهاته تلك، وقد وجد من يسانده من المؤرّخين. للأسف، هناك من فضّل المناصب والمصالح الشخصية على الانتصار للحقيقة التاريخية". وفي المقابل، يشير إلى أن "الانفتاح السياسي" أعاد فتح الكثير من الملفّات التاريخية التي أُغلقت في عهد بومدين.

من جهة أخرى، يصف رخيلة "الحرب الإعلامية" التي نشبت بين قيادات من "جبهة التحرير" وعددٍ من المناضلين بأنها تعكس "التوظيف السياسي للتاريخ"، مضيفاً أنه من الخطأ اعتبار حزب شارك فيه الطلبة والفلاحون ملكاً للمناضلين وحدهم، وأن إقالة أمينه العام أو الإبقاء عليه يُفترض أن تتمّ وفق قوانين الحزب، وليس بهذه الطريقة، مستطرداً: "الحزب التاريخي أصبح اليوم سجلاً تجارياً".

من جهته، يلفت المؤرّخ، محمد القورصو، إلى وجود تداخل بين الكتابات التاريخية والخطاب حول التاريخ، ممثّلاً في الخطاب السياسي الذي يقول إنه أضفى، في الفترة الأخيرة، نوعاً من التحرّر على التاريخ. هنا، يستشهد ببعض القضايا التي كانت تُدرج ضمن "الطابوهات" والتي بات تناولها أمراً مقبولاً: "أصبحنا نتحدّث عن دور الجزائريين من أصول أوروبية في الثورة، وهو أمر كان محرّماً قبل سنوات قليلة.

كذلك الأمر بالنسبة إلى مصالي الحاج الذي صرنا نتحدّث عنه بعد أن قام رئيس الجمهورية بإطلاق اسمه على مطار تلمسان". يسجّل القورصو "الخطاب السياسي هو من فتح هذه الأبواب، بينما لم يكن للجامعة أي دور في ذلك"، ليختتم حديثه بالقول: "ثمّة خطاب أجوف هو الذي يهيمن الآن على الكتابات التاريخية".



دلالات

المساهمون