كارلو في بافاريا..قارئ النوتة التكتيكية الذي أتقن خداع الجميع

كارلو في بافاريا..قارئ النوتة التكتيكية الذي أتقن خداع الجميع

19 يوليو 2016
+ الخط -

"بالكثير من الاحترام والتقدير، أتمنى لك كل التوفيق يا كارلو"، بكلمات إيطالية محكمة، كتب بيب غوارديولا رسالة الترحيب بخليفته في تدريب بايرن ميونخ، الإيطالي كارلو أنشيلوتي وجد كامل الدعم من الجميع في بافاريا، وعلى رأسهم المدرب الكتالوني الذي ترك الأراضي الألمانية بحثا عن مجد جديد في مانشستر.

تحدث أنشيلوتي في بداية مؤتمره الصحافي الافتتاحي مشيرا إلى أنه فخور بتدريب ناد عملاق مثل بايرن ميونخ، ليلتقط المتابعون بقية الخيط، ويرشح معظم أنصار ومتابعي اللعبة النادي الألماني بقيادة فارسه الجديد لتحقيق معظم إذا لم يكن كل البطولات المتاحة خلال الموسم الرياضي المنتظر، إنه الفريق الأكثر استقرارا في القارة العجوز.

قصة النوتة الموسيقية
"لقد جئت لك بهذا اللاعب الجديد، كارلو إلى الميلانيلو، هو قائد أوركسترا رائع، لكنه لا يجيد قراءة النوتة الموسيقية،" هكذا قال بيرلسكوني لأريغو ساكي عندما تعاقد مع الشاب الروماوي في مشروع ميلان، الفكرة التي غزت أوروبا والعالم في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، ليحقق أنشيلوتي اللاعب إنجازات لا تنسى رفقة عراب ذلك الجيل، ساكي.

ضحك وقتها المدرب حليق الرأس وقال للرئيس، لا تقلق سأجعل منه مايسترو رائعاً. وبدأ في تعليمه وتلقينه بعض الدروس والملاحظات التكتيكية البحتة، ليكون بمثابة التلميذ النجيب للمعلم البارع، لدرجة أن كارلو تحدث هاتفيا مع أريغو قبل مباراة ريال مدريد وبايرن، شامبيونزليغ 2014، ليحصل على نصائح ثمينة من العجوز المعتزل، ويطبق بحرفية شديدة طريقة 4-4-2 ليكسر ناديه الجديد ويتفوق بالقاضية على بيب في قلب الأليانز أرينا منذ سنوات.

يعترف أنشي بأنه شخص محظوظ للغاية، لأنه تتلمذ على يد ثنائي عظيم، الأول هو نيلس ليدهولم، الأسطورة المنسية التي علمته الكثير في أيام روما الأولى، ثم ساكي الذي طوره أكثر فيما بعد، ليؤكد مدرب بايرن الجديد أنه مستمع جيد لكل شخص يثق فيه، لدرجة أنه لا يمانع من إجراء بعض التغييرات قبل أي مباراة، بعد اقتناعه بنصيحة خططية من أحد أفراد الطاقم المساعد.

مدير أكثر منه مدرباً
تفاعل الهولندي ريموند فيرهيخن، الخبير التقني والبدني في الأمور الكروية، مع خبر تعيين أنشيلوتي مدربا لبايرن قائلا، "خيار موفق من البافاري، المعلم غوارديولا خلف المدير هاينكس، ثم جاء المدير الآخر أنشيلوتي ليخلف المعلم الكتالوني". وبتحليل هذه العبارة المعقدة، يجب أن نتحدث عن الفروقات بين مصطلح "المدير والمعلم" في الكرة الحديثة.

المعلم أقرب إلى "الكوتش"، مدرب متعصب بشدة لأفكاره التكتيكية، ومولع دائما بكل ما هو جديد، مع اهتمامه الشديد بأدق التفاصيل داخل الملعب وخارجه، مما يجعله شديد الطلبات تجاه لاعبيه، ويشتهر غوارديولا، كلوب، وحتى لويس فان غال في هذا المجال، بينما يلجأ المدير إلى ترك اللاعبين على طبيعتهم، ومحاولة استخدام نظام خططي يليق بهم، ولا يملك أي ضغينة من اللعب عكس فلسفته أو شخصيته في بعض المباريات، عملا بالمثل الدارج، "الضرورات تبيح المحظورات"، وغوس هيدينك، وأنشيلوتي، وآخرون أساتذة هذا الجانب.

وبعيدا عن رأي فيرهيخن ومقارناته التي قد يتفق معها المتابع أو يرفضها، فإن أنشيلوتي مدرب براغماتي واقعي بشكل كبير، يجيد بشدة التعامل مع مختلف اللاعبين والمديرين، ويركز أكثر على الفوز لا الطرق التي تقوده إلى تحقيقه، مع قوة أكبر في مباريات خروج المغلوب، وضعف غير مبرر خلال البطولات الطويلة كمسابقة الدوريات في مختلف ملاعب أوروبا.

العصا والجزرة
يعطي أنشيلوتي اهتماما مضاعفا بتجربة الحصان في الحياة، واستخدام سياسة العصا والجزرة من أجل ترويضه وإقناعه، فعندما يرفض الحصان القوي المرور من فوق الحاجز، فإن الحل إما أن تستفزه من الخلف بضربة ما، أو تقف أمامه وتحاول ترغيبه بشيء يحبه، والأمل في كلتا الحالتين أن ينفذ ما تريد دون مشاكل، ويؤكد الإيطالي أنه منفتح أمام جميع الحلول بالنسبة للاعبيه، ولا يمانع معاملة كل لاعب على حدة، في سبيل الوصول بالفريق إلى سلم التتويج.

حصل كارلو على بطولات قارية ودولية عديدة، مع 3 بطولات دوري فقط، مرة مع ميلان، مرة مع تشيلسي، ومرة مع باريس، دون أن يحقق اللقب المحلي الأهم في عامين مع ريال مدريد، وبالتالي تعتبر مزاياه مفيدة جدا لبايرن ميونخ، أما سلبياته فعير مزعجة بالمرة، لأن النادي الألماني يسيطر على الأجواء المحلية منذ سنوات، ويريد جمهوره العودة إلى السطوة الأوروبية، بعد موسم هاينكس التاريخي في 2013.

تعامل غوارديولا براديكالية قوية مع الإدارة البافارية، وصارت العلاقة متشابكة ومتوترة في بعض الأحيان، خصوصا مع اختلاف وجهات النظر فيما يخص الناحية الطبية والتكتيكية، لكن أنشيلوتي يعرف كيف يتعامل مع الرؤساء، إنه المدرب الذي كان يسمع طلبات بيرلسكوني بإشراك أحد النجوم في مكان يريده الرئيس، ثم يذهب قبل المباراة إلى لاعبه ويعطيه التعليمات الصحيحة التي تجعله أفضل وفق ما تريد الخطة.

كذلك يُحسب له حصوله على العاشرة الأوروبية مع ريال مدريد بعد سنوات عجاف، ليمتص صدامات الرئيس بيريز، ويحاول الابتعاد بالفريق عن شطحاته وآرائه الكروية، فأنشيلوتي وافق على استدعاء النرويجي الصغير أوديغارد، رغم أنه غير مقتنع، لأن فلورنتينو أراد ذلك، لكنه في النهاية لم يؤثر بالسلب على المجموعة ككل من هذا الخضوع، كلها أمور تؤكد أن الإيطالي هو أنسب خيار ممكن أمام زعيم ميونخ.

تكتيكياً
يملك بايرن خيارات عديدة خصوصا بعد قدوم كلا من ريناتو سانشيز وهوميلز، ويتوقع أن يلعب الفريق بأكثر من خطة وفق ظروف كل مباراة، مع التركيز أكثر على بناء نظام يجمع بين 4-3-3 هجومية و 4-4-2 دفاعية، بتواجد خط وسط مرن وديناميكي بقيادة فيدال، ريناتو، دوغلاس كوستا، ولاعب رابع جاهز كخافي مارتينيز أو تشابي ألونسو، رفقة الثنائي المتقدم موللر وليفاندوفيسكي في الأمام.

كذلك يستطيع بسهولة مع جاهزية روبين وريبري واستمرار تطور كومان، التحول إلى ثلاثية الوسط بوجود لاعب جناح صريح رفقة الثنائي الهجومي، واستخدام كوستا كجناح مركزي على طريقة دي ماريا، يبدأ الهجمة في العمق لكنه يتحول بسرعة إلى الرواق أثناء المرتدات القاتلة، وبالتالي يصبح بايرن أقوى من الجميع بين سياسة الاستحواذ ولعبة التحولات عند الضرورة.

يقول عنه رافائيل هونغستين، الصحافي المهتم بالكرة الألمانية، أن كارلو يعتبر أفضل خلف ممكن لغوارديولا، الكتالوني ثائر شاب، يفهم كرة القدم أكثر من غيره، ويعتبره معظم لاعبي بايرن أهم مدرب تحدث معهم خططيا وتكتيكيا، لكن المدراء في بافاريا مقتنعون بقدرة أنشيلوتي على جعل الأجواء أهدأ داخل وخارج الملعب، مما يعطي الفريق أريحية أكبر في اللعب بحرية دون ضغوطات أو تكليفات مضاعفة، خصوصا أن كل النجوم تقريبا يتمتعون بخبرات طويلة، تساعدهم على مواجهة أعتى الظروف المعاكسة.

لن يصنع أنشي طفرة تكتيكية جديدة، لكنه سيعرف كيف يدير البيت الكبير في بافاريا، من خلال استخدام العناصر المتاحة ومحاولة الوصول إلى الانتصارات الهادئة، بأي طريقة ممكنة ودون ضجيج. من الوارد جدا أن يحقق دوري أبطال أوروبا، سينجح فيما فشل فيه بيب، لكن دون تطوير أكبر قدر ممكن من الشبان، وإضافة حس تكتيكي جديد عند اللاعبين، مع تأمين شكل ومستقبل المجموعة لسنوات طويلة كما كان يفعل الفيلسوف، وإدارة بايرن متصالحة مع هذا، لأنها تريد ذات الأذنين.

المساهمون