قضاة العراق يخشون فتح ملف المالكي

04 اغسطس 2015
الصورة
رُفعت دعاوى على المالكي من جنوب العراق أيضاً (Getty)
+ الخط -
لم تُثمر الجهود الكثيرة التي قامت بها مجموعة من المحامين والناشطين العراقيين في الأشهر الماضية، وتمكنوا خلالها من جمع أدلة ووثائق تدين رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بجرائم حرب وارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وفساد مالي، في تقديمه للقضاء كمتهم أو حتى استدعائه من طرف المحاكم المختصة.

وترفض المحاكم البدائية والجنائية قبول أي دعوى تتعلق بجرائم أو ملفات تتعلق بالمالكي، وفقاً لما يكشف عنه مسؤولون عراقيون وناشطون، هددوا بالانتقال إلى المحاكم الدولية، لعرض ما جمعوه من وثائق وبراهين تدين المالكي بجرائم عدة.

ومن أبرز الاتهامات للمالكي: "ارتكاب جرائم حرب وعمليات تطهير عرقية وطائفية بالبلاد، واستغلال نفوذه بشكل غير قانوني، وقيامه بعمليات سرقة واختلاس للمال العام، وإثارة الطائفية بالعراق، والإسهام بسقوط مدن عراقية بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)".

وفي هذا الصدد، أشار مسؤول عراقي رفيع بوزارة العدل، رفض الكشف عن اسمه، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى "وجود 54 دعوى قضائية قدمها مواطنون ومحامون وناشطون للمحاكم المختصة ضد المالكي في بغداد وحدها، منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، لغاية الرابع من يوليو/تموز الحالي".

وكشف أن "الدعاوى تضمنت 281 وثيقة ودليلا وشهادة حول ضلوع المالكي بجرائم تطهير طائفية، وقتل واستيلاء على ممتلكات وسرقة للمال العام، وإذكاء للطائفية بالعراق والتسبب باحتلال داعش مناطق واسعة من العراق، فضلاً عن وثائق تتعلق بطبيعة علاقته مع نظام (الرئيس السوري) بشار الأسد وإيران وحزب الله اللبناني". وأضاف المسؤول، أن "الشكاوى لا تزال موجودة في المحاكم ببغداد، وقسم منها في مجلس القضاء الأعلى، الذي أوصى برفض قبول عدد كبير منها، وجمّد قسماً آخر بغرض مراجعتها قبل البتّ بها".

وأكد أن "الشكاوى تضمّنت أسماء أقرباء المالكي وأفراد من حمايته، ومن بينها شكوى مقدمة من عراقيين بجنوب العراق، يتهمونه بالقيام بجرائم انتقامية، نفّذها بحقّهم بعد تسلّمه المنصب مصفّياً حسابات عائلية عالقة منذ سبعينات القرن الماضي". وتابع المسؤول قائلاً "قبِل أحد القضاة الشكوى وأمر باستدعاء المُدّعي والمُدّعى عليه، إلا أنه بعد أيامٍ وصل كتاب إقالته إلى منزله من دون سابق إنذار".

وأضاف أن "أياً من القضاة أو أعضاء الادعاء العام، لا يستطيعون التحرك ضد المالكي قضائياً، كونه يملك نفوذاً كبيراً على المليشيات، وباستطاعته تصفية من يشاء ببغداد، مهما كان منصبه ووضعه. وهو ما حصل مع شخصيات حقوقية وقضائية وسياسية سابقاً، كانوا معارضين للمالكي، وتم التخلّص منهم بطرق مختلفة. واتُهم تنظيم داعش خلالها بالوقوف وراء الاعتداءات التي أسفرت عن مقتلهم".

ويقول رئيس مركز "الدراسات القانونية العراقية" القاضي المتقاعد محمد عبد الإله البارزاني، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إنه "بسبب المليشيات المحيطة بالمالكي، لا يُمكن لأحد الاقتراب منه قضائياً. وكل ما يقال عبر الإعلام حول محاكمته بتهمة الخيانة العظمى وإسقاط الموصل أو قتل مدنيين وانتهاكات حقوق إنسان، هو استهلاك لا أكثر، كونه لا يوجد قضاء مستقل بالعراق قادر على زجه بالسجن في الوقت الحالي على الأقل".
ويضيف البارزاني أن "مثل المالكي هم من يزدهرون، على الرغم من أنه مزّق البلاد وأشعل الفتنة فيها وسلّم أكثر من ثلث العراق لداعش، والمحزن أنه يُلقى القبض على موظفين يتقاضون رشى تافهة، أو يُثبت خللهم بالعمل، بينما لا يُلقى القبض على المالكي. لهذا السبب إن على العراق التوجّه لحكم وطني علماني قانوني، قبل أن يتمزّق نهائياً".

وبفعل هذا النفوذ، يسعى المالكي حالياً إلى عقد صفقة سياسية مع خصومه، من خلال دفعهم للتصويت داخل البرلمان على إقفال الحسابات الختامية لموازنات 2011 و2012 و2013 الماضية، وإسكاتهم عن فقدان أثر نحو 100 مليار دولار، وعن خروج مبالغ مالية كبيرة بالعملة الصعبة من العراق إلى البلدان المجاورة. وتُعدّ إيران من البلدان التي استفادت من سيطرتها على العراق، للتعويض ولو جزئياً عن خسائرها الناتجة من تطبيق العقوبات الدولية ضده.

اقرأ أيضاً الفساد في العراق: اسألوا عن ثروات المسؤولين!

ويقوم حالياً فريق من النواب بإعداد دراسات مفصّلة عن هدر مئات المليارات من الدولارات في عهد المالكي. ويطالب رئيس البرلمان سليم الجبوري بـ"إجراء تحقيق يستند إلى شفافية مطلقة، لمعرفة أسباب هذا الهدر الكبير من مال الشعب تمهيداً للمساءلة والمحاسبة، إلا أن الجبوري شكا من تهرّب أعضاء الفريق البرلماني من الحضور، أو الانتظام بجلسات البحث والتدقيق بسجلات حكومة المالكي، بعد تلقيّهم تهديدات خطية وشفهية.
وتشير معلومات لجنة النزاهة النيابية، إلى أن "الميزانيات التي صُرفت في الفترة بين عامي 2006 و2013، بلغت 727 مليار دولار، وهو مبلغ كاف لإعادة بناء العراق بشكل كامل". ولم يستفد العراقيون من تلك الميزانيات، في أي من الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والاتصالات وشبكات الصرف الصحي وصيانة الطرق. كما لم يتمّ القضاء على الأمراض التي وعد بالتخلّص منها، ولا يزال مئات آلاف العراقيين يرزحون تحت وطأتها، في ظل زيادة نسبة البطالة وارتفاع معدلات الفقر المدقع.

وكشف أحد أعضاء اللجنة، الذي رفض ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، عن "تلقي ثلاثة من أعضاء اللجنة تهديدات شفهية من مقرّبين للمالكي، يُحذّرهم فيها من مغبة الثرثرة، وأن العقاب سيكون سحلا وقطع لسان". وتابع "يسعى المالكي لمساومة بعض الكتل السياسية، بغية تمرير مشروع إقفال حسابات الموازنات الثلاث الماضية 2011 و2012 و2013، في مقابل تصويته وكتلته (دولة القانون) على قوانين عالقة". ولفت إلى أن "الرجل عبارة عن كتلة فساد ولا أحد يملك القوة لمحاسبته على إراقته الدماء وسرقته أموال العراق، أقله في الوقت الحالي".

ويتهكم النائب السابق بالبرلمان العراقي المقيم خارج البلاد منذ سنوات أحمد عبد الله، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، قائلاً "سنجمع ما لدينا ونتجه إلى من يصفهم المالكي بالكفار في العواصم الغربية، لتقديم شكاوى ضده كمجرم حرب، لأن المؤمنين الجدد بالعراق غير قادرين على تحقيق العدالة وأخذ حقوق المظلومين".

وأوضح النائب عادل نوري، في تصريح لمحطة محلية أن "المالكي هو المسؤول الأول عن سقوط الموصل، إلا أن المحاكم في العراق لن تكون حيادية في محاكمته، لذلك نطالب بمحاكمته في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي".

بينما يقول الشيخ وضاح الصديد، إن "مسؤولية سقوط الموصل بيد داعش وإزهاق أرواح الآلاف يقف خلفها المالكي. والرجل ارتكب انتهاكات واضحة في موضوع حقوق الإنسان، يجب ألّا تمرّ إذا أردنا بناء بلد حي. وإن استقرار العراق مرهون بمحاكمة نائب رئيس الجمهورية في المحاكم الدولية".

اقرأ أيضاً: اتحاد القوى العراقية يطالب بوقف التدخل الإيراني

المساهمون