في متاهة استرجاع الآثار المصرية

17 يناير 2019
الصورة
(لوح يجسّد معمودية الفرعون، "متحف متروبوليتان للفنون" في نيويورك)
+ الخط -

بقي تداول الآثار المصرية مسموحاً حتى صدور قانون 117 لعام 1983، والذي شرّع لأول مرّة تجريمه بعدما كانت هناك منافذ بيع لدى معظم المتاحف، ناهيك عن البيوع غير المنظّمة بعيداً عن رقابة الدولة. لكن تغليظ العقوبة على سرقة الآثار وتهريبها والاتجار بها تمّ تفعيله بالقانون 91 الذي أُقرّ صيف العام الماضي.

لا يُمكن النظر إلى المسألة من زاوية تأخُّر التشريع وعجزه عن حماية أضخم إرث حضاري في العالم فحسب، فالتشريعات وحدها غير كافية لوقف هذا النزيف الذي بدأ منذ القرن السادس عشر، وأصبح ممنهجاً مع نهاية القرن الثامن عشر؛ حين لم يكن العلماء والعسكريون الأوروبيون يتورّعون عن إرسال مئات آلاف القطع الأثرية إلى بلدانهم.

كان حكم محمد علي باشا (1805 - 1848)، فترةً مُنع فيها خروج أي قطعة إلّا بموافقة السلطة، ضمن محاولة لفرض سيادة سياسية أكثر من شعور بقيمة الآثار، فجرى بذلك قطع شريان شبكات التهريب الأولى والتي كانت تتمّ برعاية القناصل، غير أن مجيء الاستعمار في 1881 نشّط تهريب الآثار من جديد.

حصيلة هذه القرون من النهب ينبغي أن تقود ليس فقط إلى سياسات وقف التهريب، بل أيضاً إلى إعادة ما نُهب باستعمال أدوات عدّة، مثل اللجوء إلى القضاء الدولي، وتسخير الحملات الإعلامية والأكاديمية كما تفعل راهناً كثير من البلدان الأفريقية ضدّ فرنسا وبريطانيا، وكذلك بمراقبة أنشطة السفارات الغربية وبعثات الحفريات الأجنبية.

في هذا السياق، كثيراً ما يجري التركيز في مصر على استرداد الآثار، لكن دون أن يعني ذلك وجود سياسة منهجية وحازمة تشتغل على الملف. وكانت وزارة الآثار المصرية قد أعلنت، منذ أيام، أنها تسلّمت قطعةً أثرية منحوتة من الحجر عليها خرطوش الملك أمنحتب الأول تمّت سرقتها وتهريبها من معبد الكرنك في مدينة الأقصر بطريقة غير شرعية، وكانت معروضة في إحدى صالات المزادات في لندن، واتخذت الإجراءات اللازمة للتحفُّظ على القطعة ووقف بيعها.

كما أعادت السلطات المصرية، بداية الشهر الجاري، مخطوطاً إسلامياً يعود تاريخه لفترة حكم السلطان قنصوة الغوري، آخر حكّام المماليك، قبل بيعه في "مزادات سوذبيز" في لندن خلال تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وتأتي الحادثة بعد أقل من سنة على استعادة مخطوط "المختصر في علم التاريخ" لمؤلّفه محمد الكافيجي.

خلال حريق "متحف البرازيل الوطني" في ريو دي جانيرو، قبل أربعة أشهر، دعا عدد من الأكاديميّين المصريّين الحكومة إلى إطلاق حملة وطنية لاسترجاع آثار مصر من الخارج، مع سقوط حجّة أن المتاحف الأجنبية تؤمّن السلامة الكافية لهذه الآثار، فقد التهم الحريق البرازيلي أكثر من 700 قطعة تعود إلى عصر الفراعنة.

لكن، لم تحظ هذه الدعوات باهتمام يُذكر، خصوصاً على المستوى الرسمي، دون أن ننسى جانباً آخر من الإشكالية يتعلّق بمعايير تأمين الآثار في المتاحف المصرية ذاتها؛ حيث نشبت العديد من الحرائق التي طاولت آثاراً، إضافة إلى عوامل إتلاف أخرى، مثل التعرُّض للشمس أو الرطوبة، أو ضياع البيانات.

حالياً، تعتمد الخطّة الرسمية على رصد صالات المزادات والمواقع الإلكترونية التي تعرض قطعاً أثرية، لتبدأ بعد ذلك مخاطبة الأطراف المعنية عبر وزارة الخارجية. وعلى هذا الأساس، جرت استعادة 222 قطعة خلال السنة الماضية من فرنسا والكويت والولايات المتحدة وقبرص وإيطاليا وبريطانيا، إضافة إلى توقيع اتفاقيات مع عدد من الحكومات تلزمها التبليغ عن أي تداول غير شرعي للمقتنيات الأثرية المصرية، بحسب تصريحات وزارة الآثار.

مقابل ذلك، تشير بيانات الوزارة إلى سرقة ما يقرب من اثنتين وخمسين ألف قطعة منذ 2011 وتهريبها براً وبحراً، ما يعني أضعاف القطع المستردّة، وهو ما تؤكّده تقارير تُنشَر باستمرار في وسائل إعلام محلية عن إحباط كثير من عمليات السرقة أو التهريب.

قد يردّ البعض الأمر إلى ترهّل إداري أو شبهات فساد تطاول متنفّذين داخل الدولة، إلا أن المعطيات تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث لم تتمكن وزارة الآثار من تسجيل ما لديها من مقتنيات، سواء داخل المخازن أو تلك المعروضة في المتاحف، ولأسباب غير معلومة كانت توقف عمليات الرقمنة، ما يعني عدم وجود إحصائيات تثبت مجموع الآثار داخل مصر وخارجها.

وكلّما تمّ تحديد موعد لإشهار قاعدة بيانات تضمّ مجمل الإرث الحضاري المصري يتمّ تأجيله، كما حدث مع إعلان إدارة الآثار المستردّة عن عقد مؤتمر في أيلول/ سبتمبر 2017 يصدُر عنه كتاب كبير بثلاث لغات يحتوي جميع البيانات اللازمة لكنه تأجّل. ويشير متابعون لقضايا الآثار المصرية إلى أن التفات الدولة إلى هذا الملف، يعود بالأساس إلى اعتبار تجارة الآثار تشكل ثاني أكبر مصدر لتمويل الجماعات المتطرّفة، ما يتطلب تجفيف هذه المصادر في إطار خطط محاربة "الإرهاب".

من جهة أخرى، أتى تقرير "المعهد المصري للدراسات" في أيار/ مايو الماضي صادماً، فقد أشار إلى نشاط 250 بعثة أجنبية، بينما لا توجد غير ثماني فرق حفر مصرية، وأنه ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى العقد الأخير، خرجت 350 ألف قطعة أثرية من خلال بعثات تمثّل إحدى عشرة دولة غربية، موزعة بين حوالي مئتي ألف قطعة في بريطانيا، ومئة ألف في فرنسا، وأكثر من خمسين ألفاً في الولايات المتحدة.

ولفت التقرير إلى أن لكل بعثة أجنبية مناطق خاصة بها لا يحقّ لأحد - بما في ذلك وزارة الآثار ومفتّشوها - الاقتراب منها دون إبلاغ أعضاء البعثة، وليس هناك من لجان مصرية تقيّم عملها أو تراقب أنشطتها، ما أدى إلى وقوع العديد من السرقات.

هكذا، فإننا نقع على ثغرات عديدة في السياسات المصرية التي تتعلّق بالآثار، ناهيك عن تنفيذها، لتظل الخطوات بطيئة في مسار استرداد ما نُهب. ولنا أن نقارن بين ما تبذله بلدان أفريقية مثل البنين والسنغال والكونغو، ونجاحها في خلق رأي عام مناصر لقضيّتها في عواصم أوروبا ذاتها، مع خطاب المسؤولين المصريين، حيث يكثر التذرُّع بالقوانين الدولية التي تصعّب إعادة القطع الأثرية.

المساهمون