فيروس كورونا وفيروس سورية

03 فبراير 2020
الصورة
جانب من الدمار في معرة النعمان بمحافظة إدلب (Getty)
+ الخط -

 

يواجه العالم اليوم حرباً جديدة مع انتشار فيروس كورونا وحصده حياة أكثر من 300 شخص ووصوله إلى نحو 26 دولة، حيث قررت منظمة الصحة العالمية إعلان حالة الطوارئ الصحية على مستوى المعمورة.

لا أناقش أموراً طبية ولا سبب انتشارها، بل أترك الكلمات القادمة والسطور تشرح كيفية استقبال العالم للفيروس الجديد، وما يمكن أن نطلق عليه "فيروس سورية"، وكذلك الهوة الاقتصادية التي وقعنا فيها في العالم العربي.

من 12 ديسمبر/كانون الأول حتى الأول من يناير/كانون الثاني، حصد المرض الخطير حياة 304 أشخاص في الصين، وتجاوزت عدد الإصابات حول العالم 14542 حالة، منها 14380 شخصاً في الصين وحدها.

وقامت الدنيا ولم تقعد، وبسبب الفيروس القاتل أقفلت شركات، وعلقت خطوط جوية رحلاتها، وأغلقت حدود دول مع الصين، وجرى إرجاء بطولات رياضية، وباتت مدن عدة في الصين أشبه بمدن أشباح لخلوها من المارة، وخضع كل شخص قادم من الصين لفحوصات طبية، من بينهم فريق صيني يشارك لكرة القدم النسائية تم عزله في فندق في برزبين بأستراليا.

وقررت الصين بناء 3 مشاف بالسرعة القصوى خلال 10 أيام فقط لمعالجة المصابين بالمرض. وهو ليس الفيروس الأول من نوعه، بل هو الأخطر حتى الآن على الأقل، إذ جاء التهاب الجهاز التنفسي الحاد "سارس" من الصين أيضاً وأودى بحياة 800 شخص عامي 2002 و2003 وكلف الاقتصاد العالمي بين 60 و80 مليار دولار.

تعرضت الصين، على مدار السنوات الماضية، لأزمات، منها على مستوى اقتصادي، ومنها على مستوى صحي، وآخر على مستوى سياسي. بعيداً عن الفيروس والتعجب من بناء مشفى في 10 أيام، ما يجب أن يثير الانتباه أكثر هو فهم إحدى زوايا النموذج الاقتصادي الصيني وكيف ساهم في تطوير البلد وتعاطي الحكومة مع المستجدات أياً كانت.

في عام 2003 كانت الصين على موعد مع فيروس سارس، الذي أدى إلى انخفاض نمو الاقتصاد الصيني إلى 9.1 في المائة، قبل أن يستعيد نشاطه من جديد. وفي عام 2015، تعرّض لانخفاض في معدلات النمو ارتدت على معدل النمو العالمي.

ومنذ وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية، عانت الصين من مشاكل اقتصادية مع الولايات المتحدة، بعد فرض ترامب رسوما جمركية على سلع صينية بمئات مليارات الدولارات، لتردّ عليه بكين بإجراءات مماثلة، قبل أن يتوصل الطرفان، منتصف الشهر الماضي، إلى اتفاق تجاري جزئي للتهدئة.

واليوم، تعاني الصين مرة أخرى من فيروس كورونا الجديد، ومع اختلاف المُسبب للأزمة والنتيجة، تبقى الطريقة التي تعمل الصين وفقها هي نفسها.

هناك زاوية مهمة في الاقتصاد الصيني مثيرة للانتباه، تتعلق بإدارتها للاقتصاد، والذي جعلها تخرج من براثن الفقر والتخلف على مستوى التعليم والصحة والتكنولوجيا والهندسة والإنتاج، وتحتل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتنافس الولايات المتحدة في كافة المجالات وتسبب لها قلقاً على طول طريق التقدم والنمو.

فالنموذج الاقتصادي المتبع في الصين ما بعد عام 1976 تماهى بين الرأسمالية والاشتراكية، أو يمكن القول عنه اقتصاد رأسمالي تقوده الدولة، أو اقتصاد رأسمالي بغلاف اشتراكي. فالاقتصاد الصيني ليس رأسمالياً لعدم تبنّي الحكومة سياسات السوق الحر بشكل صرف، إذ لا تزال تسيطر على قطاعات قومية واستراتيجية، مثل المصارف والطاقة والمواصلات والتعليم، وتبقيها تحت احتكار الدولة وتتبع نظام سعر الصرف الثابت.

كما أن الاقتصاد ليس اشتراكياً أيضاً بشكل صرف، بسبب السماح للمشروعات الخاصة المحلية والدولية بالعمل بعيداً عن رقابة الحكومة والقمع للمساهمة في تخفيف أزمة البطالة والدفع قدما بعملية التنمية الاقتصادية.

كذلك الصين عضو في منظمة التجارة العالمية لتوظيف آليات تحرير التجارة في تعزيز نموها الاقتصادي. وحيّرت هذه الطريقة في إدارة الاقتصاد، الأميركيين والأوروبيين، فدائماً ما يجري اتهام الصين بالمواربة والتلاعب في اتباعها سياسات، مثل تثبيت سعر صرف اليوان الصيني وعدم إخضاعه للعرض والطلب في الأسواق للاستفادة من الميزة التنافسية، ودعم مؤسسات القطاع الخاص ماليا لتمكين منتجاتها من المنافسة في الأسواق العالمية، وهو ما يؤثر على الشركات والدول التي تتبع اقتصاد السوق الحر.

ولا يُستعبد أن يكون الأميركيون، مع تعاطفهم مع ما يحل بالصين بسبب الفيروس، سعداء وهم يرون اقتصاد عدوهم اللدود الذي تمدد في البر والبحر وينافس على المرتبة الأولى في الاقتصاد العالمي، يعاني أزمة وسينكمش بسبب كورونا.

ولم يخفِ وزير التجارة الأميركي ويلبر روس، قبل أيام، الرغبة الأميركية عندما قال إن "هذا الفيروس قد يفيد الاقتصاد الأميركي من خلال عودة فرص العمل لأميركا"، حيث قد يؤدي إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ في الصين إلى إثارة المخاوف في الأسواق الصينية وسحب مليارات الدولارات والتخارج من الصين. لذا يبقى نموذج الصين الاقتصادي عرضة للتحديات دوماً.

بالعموم، مكنت تلك الهندسة الاقتصادية الخاصة بالصين من البقاء في ليونة فائقة في امتصاص الصدمات والتعامل بسرعة مع أي أزمة أو كارثة. وأهم مزايا هذا النموذج هو تطوير الإمكانات المحلية في مختلف التخصصات، والاعتماد على الكفاءات الوطنية في عملية البناء والتقدم. لم يكن للصين أن تبني بناءً ولا أن تصنع دواءً أو مصلا ولا تنتج سيارةً وهاتفاً من دون تلك الفلسفة في العمل.

ولا يمكن مقارنة ما بنته الصين على مدار العقود الأربعة الماضية مع بلداننا العربية، فالصين كانت تبني وتنتج وبلداننا تستهلك، حتى غدت المنتجات الصينية في كل بيت عربي، وأصبح المنتج الصيني واستيراده أهم من المنتج المحلي نفسه.

وفي حين انتقلت الصين من تقليد المنتجات إلى تصنيع علاماتها التجارية ومنافسة أميركا في مجالات حساسة، مثل إنتاج الرقاقات الإلكترونية والسيارات الكهربائية وفي الذكاء الاصطناعي، كانت بلداننا العربية ترسّخ مزيداً من التبعية الاقتصادية.

مهما اختلفنا مع النموذج الصيني والصين، إلا أنها نجحت في مبدأ "الاعتماد المتبادل" بين الاقتصادات العالمية والإفلات من التبعية التي تقع فيها الاقتصادات الضعيفة، إذ اتبعت أنواعا محددة من سياسات السوق الحر، وفي نفس الوقت أبقت الاقتصاد تحت السيطرة لخدمة مقتضيات سياسة النمو الاقتصادي، في حين تلقفت بعض البلدان العربية سياسات صندوق النقد الدولي لتضعها بعد سنوات دولة مدينة فقط.

وبينما انتفض العالم لمواجهة الفيروس الجديد، لا يزال الطيران الحربي التابع لنظام بشار الأسد وروسيا يحصد الأرواح، فقد قتل المئات في صفوف الساكنين، خلال الأيام الماضية، جراء تقدمه على محور معرة النعمان في محافظة إدلب، وهو ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من السكان إلى مناطق أكثر أمانا، في ظروف غاية في السوء، ناهيك عن الأمراض الكثيرة التي انتشرت بسبب القصف.

قد لا يُلقي السوريون بالا لأزمة صحية طارئة على مستوى العالم، بسبب الفيروس الذي يعانون منه المتمثل في نظام بشار، الذي قرر حرباً على الثورة منذ 2011 قتل حتى الآن أكثر من نصف مليون إنسان، وتسبب في تهجير ونزوح أكثر من 10 ملايين شخص. فشتّان بين الفيروسين.

المساهمون