فنّ النفاق في لبنان

23 فبراير 2019
+ الخط -
يندر أن تجد كميةً من النفاق والتكاذب في العالم بالحجم الموجود في لبنان، من أعلى المستويات إلى أدناها. تكاذبٌ مبنيٌّ على سلسلة معقّدة من حالات الهروب من "المصالحة مع الذات" ومن "الإقرار بالواقع". يمكن لك رؤية رَجُلَي دين، مسيحي ومسلم، يتغنّيان بأفخم العبارات عن "العيش المشترك" و"المحبة المتبادلة" و"التنوّع اللبناني"، وفي الوقت نفسه، تجدهما، كل في بيئته، يقولان عكس ما نطقا به في الخارج. إنه الكذب الأبدي في لبنان الذي استولد لنا حروباً عدة في القرنين الأخيرين.
شهد لبنان، في الأيام القليلة الماضية، نقاشاً بشأن موضوع "الزواج المدني الاختياري"، لا "الإلزامي"، وتبيّن مدى جهل كثيرين بهذا الزواج وقلّة الدراية به، قبل التفكير في المجادلة حوله أو إبداء الرأي. أدرجه بعضهم في سياق "حربٍ ناعمة" تهدّد المجتمع اللبناني، وساقه آخرون في إطار "نظريات مؤامرة". ربما كان على تركيا إدراك ذلك قبل إقرار الزواج المدني في عام 1926 مثلاً. مع العلم أن "حق الاختيار" يُفترض أن يكون جزءاً من حريةٍ لبنانية، طالما تغنّى بها اللبنانيون.
أكثر من ذلك، يُفترض أن يكون "الزواج المدني الاختياري" نتيجةً حتميةً لاتفاق الطائف، تحديداً البند الثاني من الإصلاحات السياسية، عن "إلغاء الطائفية السياسية"، وفيه أن "إلغاء الطائفية السياسية هي هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية". ونصّ الاتفاق أيضاً على "إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة"، بالإضافة إلى "إلغاء ذكر الطائفة والمذهب في بطاقة الهوية".
بين اتفاق الطائف الموقع عام 1989 والنقاشات الدائرة عن "الزواج المدني الاختياري" عام 2019، تبدو ثلاثون عاماً وكأنها لا شيء، بل سنوات مليئة بتكريس التناقضات والكذب بين اللبنانيين. الغريب أن رئيسي مجلس النواب والوزراء، نبيه بري وسعد الحريري، طالبا مراراً بـ"إلغاء الطائفية السياسية"، لكنهما رفضا "الزواج المدني الاختياري". كيف يمكن التعامل مع الشيء ونقيضه أو هذين الموقفين المتناقضين؟ لا أحد يعلم. وفي مقابل "صمت القبور" لدى حزب الله والتيار الوطني الحرّ، كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، الأكثر تصالحاً مع الذات في هذا الملف، باعتباره مدخلاً طبيعياً لتطبيق اتفاق الطائف من جهة، وبوضع حجر الأساس لبناء دولةٍ خاليةٍ من الطائفية السياسية من جهة ثانية.
ما كشفت عنه النقاشات أخيراً هو استحالة بناء دولة مدنيّة بالحدّ الأدنى في لبنان. ليس الأمر متعلقاً بالعقلية بشكل محدّد، أو بالقدرة على مواكبة مثل هذه الدولة أو عدمها، بقدر ما أنها مرتبطة باعتبار الطائفيين والمذهبيين أنفسهم "ولاة أمر"، في سياق قمع كل فكرة فقط لتعارضها مع أفكارهم، لا معتقداتهم الدينية. من الواضح أنه في لبنان، بعد سقوط مفاهيم الدولة المدنية، بات واجباً علينا العودة إلى الجذور، أي سحب بحث "إلغاء الطائفية السياسية" من التداول، لأنها رسبت في أول اختبار لها، والتحضير لإقامة دولةٍ على أساس طائفي ـ فيدرالي، ربما يمكن لكل مسرور بقمع الحرية الفردية أن يشعر بذاته فيها. الأكيد أنه في مكان ما على التكاذب اللبناني أن يتوقّف، فاستمراره سابقاً أوصلنا إلى حربٍ أهلية.
6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".