فلسطين بين يدَي التّاريخ

02 مايو 2016
الصورة
الدار البيضاء، 25 أكتوبر 2015 (تصوير: جلال مرشدي)

1
يبدو كل شيء قاتماً هذه الأيام. فلسطين التي كانت، في لحظة سابقة، في مركز الاهتمام السياسي الدولي، أصبحت على الهامش. بدأ ذلك بشكل واضح مع المشاهد الأولى من حراك الربيع العربي. عدسة السياسة والإعلام انتقلت إلى مواقع الأحداث، من تونس إلى مصر، ثم من ليبيا إلى سورية واليمن. العراق في حمامات الدم. والتمزقات التي تلتهم الجسد العربي، هنا وهناك، لا تترك أي أثر في مجريات الأحداث.

سيف "الدولة الإسلامية" يجز رؤوس الكفار، من بلاد غربية مختلفة، يكتسح الأرض ويعلن عن دولة، شعارها السلاح والجهاد بأسماء لا تحصى. ثم مأساة المعذبين السوريين وهم يهاجرون في قوارب الموت بين أمواج المتوسط، أو يقطعون بلاداً وحدوداً في ليالي الصقيع والجوع والتشرد والمرض. ولك المناحات التي لا تكف عن إعلانها الدولة الإسلامية على أراض عربية، غربية، أفريقية.

فكيف لأي طرف، بعد هذا، أن ينطق باسم فلسطين؟ وإن هو أراد وتهيأ للنطق، فمن سيسمع ما ينطق به؟ أو عندما تجود الفرصة بآلة التصوير، فمن أين للصورة أن تخترق طابور الانتظار في الصفوف الخلفية لوسائل الإعلام؟ أسئلة لا تبحث عن جواب، كما لا تعين مسؤولاً في مكان ما من العالم.

هي علامة على الحيرة التي تأكل من عظم كل من لا يزال يفكر في فلسطين، كل من يرى إلى الوقائع السياسية، في المنطقة العربية، في ضوء المبادئ الكبرى التي علّمها لنا الغرب فيما هو يلقي بها في المزبلة. أقصد مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية. يوماً بيوم تتضاعف الوقائع، وأنت لا تحتاج إلى دليل على ما ترى. فلتُلْق بنفسك، إذاً، في جحيم ما يحدث باسمك، واسم أحلامك بالتضامن الإنساني واسم أوهام الدفاع عن حقوق المستضعفين.

2
أما "إسرائيل" فهي "سيدة العالم"، تتلقّى الطاعة من الغرب والشرق. الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي رفع إلى الأعالي بفكرة حل الدولتين وبشّر بتنفيذها في بداية ولايته، انكمش عندما وصله النذير الإسرائيلي.

شيئاً فشيئاً أخذ يرسل صوت الاعتذار لإسرائيل، يضيف الدعم إلى الدعم، يقف في وجه كل من يتجرأ على النطق باسم الحق الفلسطيني في المحافل الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومؤسساتها الفرعية، مثل اليونسكو، أو الهيئة الدولية لحقوق الإنسان.

ومن الأفضل نسيان اللغط، في محافل عربية، لأنه مجرد تمرينات فاسدة على كلام فاسد.
وإسرائيل تسرق الأرض الفلسطينية في العلن، تفتح تصاميمها الجاهزة وتشرع في البناء؛ في كل يوم تتجول في الضفة الغربية وتعتقل من تشاء، تجيب بالرصاص القاتل على من يطلق صرخته في وجهها.

كل احتمالات إخضاع الشعب الفلسطيني لإرادة إسرائيل جاهزة: في الداخل سجن ومقابر للفلسطينيين، وفي الخارج طوق دولي لحماية إسرائيل، التي تتباهى بالقول عن نفسها إنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

3
هذا الواقع اليومي لا ينسينا ما عليه الفلسطينيون أنفسهم من انشقاق وما هم فيه من صراعات داخلية. بمعنى أن هناك غياباً لقيادة فلسطينية قادرة على مواجهة الطغيان الإسرائيلي. ولم تجد إسرائيل نفسها، منذ إنشائها، في وضعية أفضل من التي توجد فيها اليوم. فهي تبسط جناحيها على العالم، وفي فلسطين تملك ما يكفي لدفن أمل الفلسطينيين في إقامة كيان مستقل وإنشاء دولة.

ولا يبقى أمام المتتبع سوى هذه الكواكب الفلسطينية التي لا تنطفئ. مقاومون تعلموا كيف يكشفون عن رفضهم وينتفضون. فترة بعد فترة يخرجون من المخابئ المجهولة، أو يظهرون تباعاً في سماء الكرامة.

لا أحد يكاد يسمع عن موتهم اليومي بالرصاص الإسرائيلي أو يرى صورة جثامينهم ممهورة بالدماء فوق الأسفلت. إنهم، في لغة إسرائيل، إرهابيون. رصاص قتلهم علني، يتفاخر به الإسرائيليون، دولة ومعمرين.

وأنا أنظر إلى هؤلاء من عمق التاريخ، من الزمنية الكبرى التي هي وحدها التي تقود الرؤية في مركز هذا الليل الفلسطيني الطويل. ليل له الآن ثمان وستون سنة! لكن أهمّ ما اكتسبه الفلسطينيون في هذا الليل الطويل هو امتلاك هوية الشعب الفلسطيني. لم يعودوا قبائل مجهولة النسب وأرض الميلاد. إنهم الآن وبعد الآن، شعب. الشعب الفلسطيني.

لن تجرؤ، لا إسرائيل ولا أي قوة في الكون، على تجريد الفلسطينيين من هويتهم كشعب فلسطيني، له أرض وتاريخ. نعم، إن إسرائيل تحتقر كل مبادرة ترمي إلى تنفيذ قرار حل الدولتين، مهما كانت الجهة التي تدعو إلى ذلك.

لا تجد في الفلسطينيين إلا مكاتب تسهر على أمنها، وما عدا ذلك مجرد وقاحة. تجاهلت وجودهم عند قيامها، وبلغت الآن إلى حد أنها تتصرف في مصيرهم، حسب ما يمليه عليها منطق الأمن، الذي يعني إبادة هادئة على مراحل. لكن جبروتها لن ينال من هذه الهوية. إنه المكسب الأكبر في تاريخ الفلسطينيين الحديث في مقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي. وهو نفسه ما يخيف إسرائيل.

4
هل تقول إن إسرائيل تخاف؟ نعم، تخاف. تخاف من هوية الفلسطينيين كشعب، لأنها تعرف أكثر من سواها، أن فكرة الشعب، التي توحّد مجموعة بشرية، لا تكتسب إلا عبر تاريخ من الثقافة والفنون. فما يميز شعباً، كما يقول جيل دولوز، ليس الجغرافيا ولا العلم الوطني، بل الثقافة والفنون. على أن التاريخ، بالنسبة للفلسطينيين، له أكثر من معنى.

وعلامة خوف إسرائيل من هذه الهوية الفلسطينية هي ما تقوم به من سلب مستمر لمعالم الثقافة الفلسطينية وتقديمها باعتبارها ثقافة إسرائيلية. لكنها، أكثر من ذلك، أنشأت معاهد متخصصة في دراسة مستقبل إسرائيل في ضوء تاريخ فلسطين، وخاصة في ضوء تحريرها من الصليبين على يد صلاح الدين الأيوبي. أي أنها تخاف من الزمنية الكبرى، التي تحمل في طياتها مفاجآت ما سيكون عليه العالم بعد فترة من الزمن.

لن تمر أيام فجيعة الفلسطينيين بسرعة ولا بسهولة. والمناصرون للفلسطينيين لن يتخلوا عنها، في منعرجات السياسة ومعارك تثبيت الهوية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية ذاتها وفي المحافل الدولية. لكن هناك ما يمكن أن ننظر إليه هو الآخر. أقصد التاريخ بيديه الممدودتين، من الماضي إلى المستقبل.

لا أعني هنا أن التاريخ لم يحمل لبعض الشعوب أشكالا مختلفة من الهزيمة، التي يمكن أن تصل إلى حد الانسحاب من مسرح الوجود، أو أن على فلسطين أن تجلس في ركن هادئ، تدخن النرجيلة وتشرب القهوة بالهيل، وهي تنتظر التاريخ ليحملها بيديه كما لو كان بُراقاً للزمن الحديث. لا هذا ولا ذاك. فقط هذه الكواكب، والثقافة والفنون. وفلسطين، التي وصلت إلينا بشعبها عبر التاريخ، ستبقى بين يدي التاريخ.


(شاعر وأكاديمي مغربي)